أخبار عاجلةمقالات

أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة السابعة)

 

​رهان الوفاء

​■ سقطت قذيفة مدفع مضاد للطيران بدويٍّ زلزل الأرض والسكون تحت أقدامنا، لتستقر على بُعد أمتار قليلة من ثلاثتنا؛ أنا ونجلي “عبد الخالق” والصديق الصدوق “محمد عبد الله يعقوب”. كان موقع السقوط هو البرزخ الفاصل بين منزلي ومنزل الزميل الصحفي “يس الهضيبي” الذي يواجه بيتي في مربع (6) بـ “الصفوة” الصامدة.
​▪️ في تلك الثواني التي أعقبت الانفجار، تجمّد الزمن وتلاشت الأصوات إلا من طنينٍ حاد يثقب الآذان وغبارٍ كثيف احتضن ذعرنا، بينما كانت طائرة “الأنتنوف” تبتعد بضجيجها في جوف السماء، عابرةً فوق منطقتنا، لكنها كانت سبباً كافياً لاستثارة جنون مضادات المليشيا الأرضية التي أخطأت معانقة السماء، فارتدت لتنتهك حُرمة بيوتنا وسكينة أرواحنا.
​■ مضت لحظات الرهبة ثقيلة، خيّم فيها صمتٌ جنائزي لا يقطعه إلا “وجيب” القلوب المرتجفة. قمتُ بعدها رفقة محمد وعبد الخالق بخطىً متثاقلة أرهقها الإعياء الجسدي والذهني؛ فقد بدأت أعاني حينها من أعراض “الملاريا” اللعينة وارتفاعٍ حاد في ضغط الدم ضاعف من وطأة الموقف.
​▪️ تحركنا بوجل نحو موقع السقوط لنقف على حقيقة تلك النجاة المعجزة، فوجدنا القذيفة قد انغرست ببطن الأرض بعد أن أحدثت حفرة بعمق عشرة سنتيمترات، وكأن الأرض قد ابتلعت الموت لتمنحنا فرصة أخرى للحياة فوق ظهرها.
​■ وقفنا نتبادل النظرات في صمتٍ بليغ، نُجري مقاربةً ذهنية مرعبة: كيف كان سيكون المشهد لو أن هذه الكتلة المعدنية الغاشمة قد استقرت في رأس أحدنا لولا لطف الله الممتد؟ لقد كانت تلك الحفرة الصغيرة في نظرنا أبلغ من أي خطبة عن الموت؛ فهي المسافة الفاصلة بين أن نكون قصةً تُروى أو قلماً يوثق ما جرى، وبين أن نكون مجرد أرقام في قائمة “الضحايا مجهولي الهوية” الذين ابتلعتهم مقابر الحرب المنسية.
​■ لم يكد عصرنا الدامي يرحل، حتى كنا في المساء على موعدٍ مع “حفلة موت” من نوع فريد، أقامها أفراد المليشيا الذين انتشت أرواحهم بسكرة السلاح المطلق؛ إذ اندلع تبادل عشوائي وعنيف لإطلاق الرصاص فيما بينهم في طرقات الحي المظلمة، لا لسبب قتالي، بل لفرط العبث والاستهتار. أحال الرصاص المنهمر ليل “الصفوة” إلى نهارٍ زائف بفعل “الطلقات المضيئة” التي كانت تعبر سماء منزلنا بكثافة، ترسم خطوطاً من نار وتحجب عنا رؤية نجوم السماء التي كانت ملاذنا الوحيد للتأمل في ملكوت الله.
​■ كانت ليلةً من أكثر ليالي “الصفوة” وحشية، ليلة استباح فيها العبث هدوء المنازل، ولم يعد للسكينة موطئ قدم تحت تلك الخطوط النارية المتقاطعة. كنا نسمع صرير الرصاص وهو يلامس الجدران، ونشعر بذبذبات الموت وهي تخترق النوافذ، في مشهد سريالي يثبت أن الحرب حين تغيب عنها الأخلاق، تتحول إلى مجرد نوبات صرع يمارسها من يحمل البندقية ضد من يحمل الهم والوجع، وصار الإنسان في بيته كالعصفور في قفص يحيط به الصيادون من كل جانب.
​■ منذ سنوات سبقت اندلاع الحرب، اعتادت أرواحنا أن تأنس بصلاة المغرب والعشاء جماعةً أمام بقالتي، حيث كان ذاك المكان يمثل محراباً اجتماعياً وروحياً يجمعنا مع الزملاء والأحباب؛ العزيز الوفي “عبد الله سليمان”، والشيخ الوقور “علي شريف”، والدكتور “آدم حسن” الذي كان مثالاً للتضحية؛ إذ قام بتسفير والديه لبر الأمان، بينما بقي مرابطاً بجانب زوجته وصغاره يواجه المجهول. كان يحفنا أيضاً الصديق “محمد عبد الله يعقوب”، والحبيب “محمود جيلي” ونجلي “عبد الخالق” وصديقه الوفي “محمود”، الملازم أول في الشرطة، والذي كنت أضع يدي على قلبي خشيةً عليه من غدر “الوشاة” والأوباش.
​■ في تلك الليلة الليلاء، ولأول مرة منذ اندلاع الحريق الكبير، حُرمنا من صلاة الجماعة ومن مؤانسة الرفاق؛ فقد غلب عشوائي الرصاص خشوع المصلين، وأخرست مدافع “السكارى” صوت الأذان في قلوبنا. أجبرنا ذلك الجنون على الانزواء خلف الجدران المتصدعة، نرقب الموت من خلف الشقوق، وندرك بمرارة أن “المجال العام” بدأ يتقلص قسراً ليصبح مجرد زوايا ضيقة في غرفٍ مظلمة، تنقصها التهوية ويملؤها ترقب القادم الأسوأ.
​■ استشعرتُ بحدس الأب وخبرة الصحفي، أن الموقف في “الصفوة” قد بلغ ذروة الخطورة. لم يعد الخطر طلقة طائشة، بل أصبح خطراً منظماً يتغذى على الوشاية. صار وجودنا يشكل عبئاً أمنياً، فكان لا بد من اتخاذ القرار الصعب بتأمين الأبناء. وفي ذات اليوم الكئيب، غادرنا الزميل “عبد الماجد النور الكبوشابي” وأسرته؛ غادروا “الصفوة” والقلب يعتصره الألم، ورغم كرهنا للرحيل المر، إلا أننا اكتشفنا لاحقاً أن خطوته تلك كانت في ميقاتها الصحيح، قبل أن تُسد المنافذ تماماً.
​■ ليلتها زاد إلحاحي على نجلي “عبد الخالق” بضرورة الخروج مع شقيقته الكبرى لضمان سلامتهما، باغتني بردٍّ كان أقوى من صوت المدافع وأرسخ من جبال الصمود. نظر إليّ بصلابةٍ موجعة وقال: “لا خروج دون اصطحابك لي.. وإن رفضت المغادرة، فلن أتركك خلفي وحدك هنا في هذا الجحيم”. كانت كلماته تاجاً على رأسي؛ فقد آثر الفتى أن يقتسم معي مصير الموت أو الحياة على أن ينعم بنجاةٍ طعمها مرارة الشعور بالتقصير تجاه والده المريض.
​■ رضختُ لرهانه الصعب، واتخذت قراري بضرورة إخراج ابنتي الكبرى وحدها. كان القرار يشبه اقتلاع قطعة من الروح، لكن غريزة الحماية كانت أقوى. بحثتُ في زحام الخوف عن وسيلة خروج آمنة تضمن لها عبور غابة الارتكازات المأجورة، بينما بقي عبد الخالق بجانبي، يشاركني السهر والترقب في ليل “الصفوة” الطويل، واضعاً حياته على كفه من أجل بقائي وصمودي.
​■ كانت العناية الإلهية والترتيب الرباني حاضراً؛ ففي صبيحة اليوم التالي، لاحت بارقة أمل. كانت أسرة الصديق الدكتور “آدم حسن” تتأهب لشد الرحال ومغادرة “الصفوة” قاصدةً “كسلا” في رحلة نزوح شاقة. لم أتردد في عرض الأمر عليه، فوافق بمروءة السوداني الأصيل، فخرجت ابنتي معهم، تاركةً وراءها أباً يصارع الملاريا، وأخاً آثر المرابطة في خندق الوفاء، رافضاً أن ينجو بجلده ويترك والده يواجه الأنواء وحيداً.
​■ بذهابها، تنفستُ الصعداء قليلاً، رغم أن غصة الفراق كانت تخنقني، وشعرتُ بأن حملاً قد انزاح عن كاهلي، ليتفرغ ما تبقى من إرادتي لمواجهة مصيري مع رفاقي وابني الصامد. بقيتُ هناك أرقبُ ملامح الطريق الذي أصبحنا فيه غرباء، وأحللُ في ذاكرتي الصحفية كيف تضطر العائلات لتفتيت شملها وتوزيع أفرادها على الولايات كما يوزع الفقير كسرات الخبز، بحثاً عن فرصة بقاء في مستقبلٍ لا يزال في رحم الغيب.
​■ كانت لحظات خروجها هي “النزوح الأول” في ذاكرتي، والشرارة التي جعلت فكرة المغادرة النهائية تراودني بجدية. رأيتُ في عيون من غادروا انكساراً لا تشفيه الوعود، وفي وجوه من بقوا صموداً ممزوجاً باليأس. “الصفوة” التي سهرنا على تشييدها لتكون ملاذاً للطمانينة، أصبحت مسرحاً لـ “أنواء الروح” التي لا تُبقي ولا تذر، وصار كل فجر يطل علينا هو بمثابة “عمر جديد” يُمنح لنا على سبيل الاستلاف من بنك الأقدار.
​■ بقيتُ رفقة عبد الخالق، ومحمد عبد الله يعقوب وعبد الله سليمان، والشيخ علي شريف، ودكتور آدم حسن ومحمود جيلي، نقتات على ما تبقى من صمود ونرقب ما ستسفر عنه الأيام. كانت الملاريا قد بدأت تنهك جسدي، لكن وقفة ابني بجانبي وكلماته التي لا تزال ترن في أذني كانت تمنحني قوةً تفوق قدرة الدواء. صرنا نتبادل الضحكات المرة وسط أزيز الرصاص، ونسخر من الموت الذي يطرق أبوابنا في كل مساء، مؤمنين بأن الكلمة الصادقة التي نكتبها ونوثقها هي السلاح الوحيد الذي لن يستطيع هؤلاء الأوباش انتزاعه منا.. ونواصل.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى