اشرف عبدالله جبارة يكتب..المؤسسة العسكرية والوعي المفقود

إن المتتبع للمشهد السوداني الحالي وما يشهده من تجاذبات سياسية تكاد تعصف بالبلاد ووحدتها واستقرارها، لا يخفى عليه أن السبب الرئيسي وراء هذا الحال هو انعدام الثقة بين شريكي الحكم ( المكون المدني والعسكري)، مما أدى إلى ان تتحطم كل سفن محاولات الاصلاح وتقريب وجهات النظر على صخور التوجس والريبة والتمترس خلف المواقف، فانقسم الشارع السوداني إلى مؤيد لـ (تصحيح مسار الثورة) ورافض لـ (انقلاب البرهان)، بينما يظل المواطن وحده هو من يدفع فاتورة هذا التجاذب والتناطح ضنكاً في معاشه وتنقله وأمنه واحباطاً في حاضره الحياتي ومستقبل أيامه.
من خلال مناقشاتي العديدة، طوال السنوات الفائتة، مع العديد من الاصدقاء والمعارف ومن مختلف المستويات العلمية والفكرية والمناطقية والانتماءات الحزبية والمؤسساتية والتنظيمات المجتمعية، لمست موقفاً حاداً تجاه المؤسسة العسكرية السودانية، وإن حاول البعض تجميله حرجاً أو استحياءً، الا وهو أن الجيش هو جيش نظام وليس جيش وطن ، وأن واجبه هو حماية الحدود فقط والبقاء في ثكناته، وأن أفراده ما هم إلا فاقد تربوي فشلوا في دراستهم فتوجهوا للالتحاق بالجيش.
أن هذه النظرة المغلوطة للمؤسسة العسكرية السودانية العريقة، تستوجب من المعنين في الجيش، ومنا جميعاً العمل على تصحيحها ورد الاعتبار لحامي الوطن وحارسه الأمين بدلاً من دس الرؤوس في الرمال و التغاضي عن الاهانات التي ما فتئ الجيش يتعرض لها من قبل التنظيمات الحزبية والمؤسساتية و النشطاء والافراد، فهيبة الجيش من هيبة الدولة، وعزه من عزتها، والإساءة للمؤسسة وأفرادها تطاول يستوجب الحزم في الرد عليها قانوناً و الحسم في التصدي لتلك الادعاءات بتبيان دور المؤسسة الوطني الذي تضطلع به في حماية الوطن وصونه من الاخطار الخارجية والداخلية.
لا بد للمعنيين في المؤسسة العريقة أن يبادروا لفتح نقاشات هادفة وموضوعية مع الجميع للتعريف بالجيش ونظامه وهياكله ومؤسساته وأن يفتحوا الابواب للتعريف بكلياته واكاديمياته التي تؤهل أفراده ومنتسبيه ،بل وحتى المبتعثين من الدول الشقيقة والصديقة، في مختلف المجالات العلمية والادارية والعسكرية والقيادية، كذلك التعريف بالدور الوطني لمؤسسة الجيش في الحفاظ على التراب الوطني وتماسك الدولة السودانية منذ الاستقلال و حتى تاريخنا هذا .
لا بد من حديث المصارحة عن دور الجيش في انقلابات السودان الناجحة منها والفاشلة، وعن تغلغل الاحزاب السياسة، ومؤسسات الجيش الاقتصادية، والتطوير الكبير في المنظومات الدفاعية والارتقاء بمستوى الجيش السوداني إلى مصاف أقوى الجيوش في المنطقة، والاستماع باهتمام للانتقادات والشواغل التي تدور في الأذهان ومحاورتها بموضوعية وشفافية ومهنية، فالهدف هو بناء وعي مجتمعي إيجابي يتصدى للافكار ولا يهرب منها ، و يواجه النقد ويفنده من أجل بناء جسور الثقة والاحترام والتقدير.
لابد للمعنيين بالجيش من العمل لزيادة الوعي بين الشباب ومحو الصورة المغلوطة في أذهانهم عن الجيش، والتغبيش المتعمد الذي تمارسه بعض التنظيمات السياسية بغرض تشويه كل ما يمت بصلة للجيش وقيادته ودوره الوطني ومساهماته في جميع الثورات الشعبية في تاريخ السودان. فالجيش السوداني لم يقتل شعبه، ولم تنقلب قيادته (وليس أفراده) على نظام قائم، ولم يتقلد أفراده وزارات (إلا قلة ولفترات قصيرة) ولم يتدخل في الشأن السياسي إلا عندما يستدعيه واجبه في الحفاظ على الأمن القومي للبلاد، ولم يكن يوماً ساعياً للحكم أو السلطة، وحتى عندما تقدم بعض أفراده (وليست قيادته) للإستيلاء على الحكم إنما كانوا مدفوعين من أحزاب سياسية ولتحقيق أهداف حزبية عجز الساسة من أن يقنع بعضهم بعضاً بها فاتخذوا من بعض أفراد الجيش سبيلاً للوصول إلى السلطة.
إنه لمن المؤسف حقاً، بل من خيانة الوطن، أن يقف شخص على الحياد وجيش البلاد يقاتل لاسترداد أرضنا في الفشقة، بل وتبلغ الخيانة منتهاها حينما يدعي أنها حرب بالوكالة، وكأن الفشقة هذه خارج حدود السودان،وكأن جيشه العريق مجرد مرتزقة، وتراه يشكك في جدوى الحرب وكأن من ماتوا من مواطنين وجنود هناك ليسوا سودانيين، وكأن الاراضي المغتصبة لم تروى بالدماء السودانية الطاهرة، لدرجة دفعت قائد جيشنا أن يتحدث بغصة عن حزنه لعدم التفاعل الشعبي مع جيش البلاد في معاركه في شرقنا الحبيب.
كذلك من المؤسف تنامي النظرة الدونية لافراد المؤسسة العسكرية وكأنهم لا يفقهون شئ غير سلاحهم وثكناتهم و حدود البلاد، فلا يحق لهم الحديث في أمر الوطن ولا إدارته ولا شؤونه، بينما يحق لغيرهم من الاطباء والمهندسسن والادباء والتجار ومختلف التخصصات الأخرى.
أيضاً من المؤسف تخوين أفراد الجيش تصويرهم بأنهم جيش للنظام، والحط من قدرهم وبخسهم دورهم في الاصطفاف مع الشعب والانتصار لثورة ديسمبر المجيدة وسعيهم للعبور بالبلاد إلى مرحلة الانتخابات المرتقبة وتسليم السلطة لمن يختاره شعب السودان الكريم، فهم في أعين هولاء المغّبشة أفكارهم ليسوا سوى قتلة استباحوا الدماء الطاهرة على اسوار القيادة، وعندما تحدثهم عن حماية أفراد الجيش للمعتصميين، يأتيك الرد بأن (هولاء هم الشرفاء من الضباط والافراد)، وكأن هولاء المغّبشة عقولهم يوزعون صكوك الشرف والوطنية على أمزجتهم وأهواءهم المريضة التي لا تريد أن ترى للمؤسسة العسكرية موقفاً وطنياً .
إن شحن المجتمع وتغبيش وعي الشباب ضد الجيش يجب أن يقابله مجهود كبيرمن المعنيين بالمؤسسة العسكرية العريقة والمواطنين جميعاً، واستخدام كل وسائل الاعلام وفضاءاته لاطلاق حوارات ومناقشات موضوعية وشفافة لخلق وعي يعزز الثقة والتقدير والاحترام لجيش البلاد فلا وطن يبقى واقفاً إن هوى جيشه، ولا أمن أو سلام أو استقرار أن غاب الحامي والحارس الأمين فأعقلوا يا هولاء، واتعظوا من تجارب جواركم من الدول التي اصبحت نساً منسيا عندما انهار جيشها، ولا زالت حتى الان تتقاذفها امواج التخبط والدمار، فسُرقت خيراتها ومواردها ، وهُجر شعبها وأصبحت مدنها أثر بعد عين، ولم تنفعها بيانات الامم المتحدة الهزيلة ولا دعم الحلفاء من أن تعيدها لسيرتها الاولى.
اللهم احفظ السودان وشعبه وجيشه