الاعلامي الحاج احمد مصطفي يكتب..وداعا ..هنالندن..فقد اقترب مغيب شمسك…

عندما تحين الساعة الواحدة ظهرا بالتوقيت العالمي(جرينتش) الثالثة عصرا بتوقيت السودان يوم الجمعة القادم السابع والعشرون من يناير الجاري سيتوقف بث القسم العربي لهيئة الاذاعة البريطانية بعد ان قررت الحكومة البريطانية إيقاف الخدمة بعدد من اللغات من بينها العربية لأسباب اقتصادية….
هنا لندن لي معها قصة تحتاج ان تروي فهي التي حببت لي العمل والرغبة في دخول الاذاعة السودانية ..ففي ثمانينات القرن الماضي وفي مدينتي الحبيبة الدويم ونحن وقتها صغارا نتحسس اقدامنا في المرحلة الابتدائية لفت نظري صوت ضخم يصدر من منزل جدي (السيد مختار) انزل الله علي قبره شأبيب الرحمة فقد كان يجاورنا في السكن بالحي الثامن وكغيره من أهلنا الرباطاب الذين اشتهروا بالتجارة في الدويم واتقنوها حتي صاروا مضربا في الأمانة والتعامل والخلق الرفيع..اقول كان جدي منضبطا في وقته….يعود من متجره عصرا لتناول وجبة الغداء(عندما كانت وجبة برلمانية تجتمع فيها العائلة…ليبدا في الاستماع لاذاعته المحببة بعد المغرب ومن جهاز راديو ضخم يعمل بالبطاريات لم أجد مثيله الا في مدينة الفاشر بشمال دارفور عند زيارتي لها قبل عدة أعوام..كان ذلك الجهاز الضخم يبث لندن علي الموجة المتوسطة 639 والموجات القصيرة (41).و(19) و(16)..ليأتينا صوت ماجد سرحان الفخيم وايوب صديق ..بكلمة هنا لندن بعد دقات بق بنج التي أجزم ان راديو جدي كان يوصلها لآخر الحي من قوة صوته (العالم هذا المساء) الثامنة مساء عندها جذبتني الاذاعة لمتابعتها والحرص علي الاستماع اليها وكم مرة ضبطت وانا أقف لسطاعات بجانب الجدار الفاصل بيننا وبين منزل جدي وانا في حالة طرب لصوت الراديو واذاعته البريطانية ..حتي طلبت من والدي (عليه رحمة الله )ان يشتري لي راديو وقد كان بعد ان علمت استحالة مشاركته في جهازه العتيق ايضا …..كانت لندن مصدرا للاخبار (لندن قالت )الكلام انتهي عند السودانيين…تابعنا واستمتعنا بحسن الكرمي قول علي قول ….وانت تسأل والسياسة تجيب ….وندوة المستمعين والفترات الإخبارية المشبعة بالاخبار والتقارير ..فسمعنا نجوي الطامي ورشاد رمضان …وعيسي صباغ ..وجميل عازر.. ومديحة المدفعي ..وافتيم قريطم في الرياضة..وسالم كايد العبادي…وقبلهم المذيع السوداني اسماعيل طه …
…نور الدين زرقي…محمد الأزرق..وفاروق الدمرداش..محمد الصالح الصيد ..والسودانية رشا كشان …كنا نلتف حول الراديو والعراق يدخل الكويت في العام 1990 لنتابع أحداث ذلك الغزو الذي لم تذق الأمة العربية بعده عافية ….استمرت علاقتي ببي سي العربية وانا ادخل الي استوديوهات الاذاعة السودانية قبل ثلاثين عاما فحببت لي الاخبار واستمر هذا الحب حتي اليوم..لنتابعها وهي تبث عبر موجة اف ام .90.6في العاصمة الخرطوم فنسعد بالزميل عمر الطيب وهو يجري اللقاءات ويقرأ النشرات بصوته العالمي … …تغمض (هنا لندن اعينها) يوم الجمعة القادم وترحل تاركة الحسرة ..والحزن في نفوس مستمعيها..بعد ان ظلت لأكثر من ثمانين عاما إذ تم تاثيثها في الأول من مارس 1938 ظلت تقدم لهم وجبة اذاعية دسمة ..فيها الاخبار والفن والموسيقى والسياسة والثقافة والمنوعات حتي الأطفال كانت تقدم لهم مايطلبونه..لم تؤثر فيها القنوات التلفزيونية التي أتت من بعدها بل قامت واستفادت من ارثها التليد….وداعا…هنا لندن لقد كنت صديقة للجميع صغارا وكبارا بماتقدميه..واثق ان تلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية لن يملأ الفراغ التي ستتركينه في نفوس محبيك…وداعا هنا لندن فعالمنا اليوم لم يعد فيه الا القبيح اما الجميل المعتق فقد حكمت عليه الحكومة البريطانية بالفناء……