أخبار عاجلةمقالات

التعليم العالي وهذا القرار!!

*حين غادر السودانيون الخرطوم عند اندلاع حرب الكرامة في 2023 لم يكونوا في رحلة اختيار، بل في رحلة نجاة، خرجوا تاركين خلفهم منازلهم، ومدارس أبنائهم، وجامعاتهم، ووظائفهم، وأعمارا كاملة قضوها في مدينة كانت حتى الأمس القريب قلب السودان النابض.
*خرجوا ولم يحملوا معهم سوى الخوف على أطفالهم، والأمل في أن تنتهي الحرب سريعا ليعودوا إلى وطنهم كما كان، لكن الحرب لا تعيد الزمن إلى الوراء. *ثلاث سنوات كانت كافية لتصنع واقعا جديدا، فرض على الدولة والمجتمع حلولا استثنائية. وكان من أنجح تلك الحلول فتح مراكز للجامعات السودانية خارج البلاد، حتى لا تضيع أعمار آلاف الطلاب، وحتى يبقى التعليم حيا في وطن مزقته الحرب.
*قبل أيام جاء قرار وزارة التعليم العالي بإغلاق تلك المراكز وعودة الجامعات إلى الخرطوم اعتبارا من أغسطس المقبل، وكأن السنوات الثلاث الماضية لم تترك أثرا، وكأن ملايين السودانيين ما زالوا يعيشون حيث كانوا قبل اندلاع الحرب.
*لا أحد يعترض على عودة الجامعات إلى مقارها الطبيعية، بل إن ذلك حلم كل سوداني،فالجامعات ليست مجرد مبان، وإنما جزء من روح الخرطوم وتاريخها. *ولكن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالقرارات وحدها، وإنما بالتخطيط، وقراءة الواقع، ومراعاة ظروف الناس،كيف يطلب من آلاف الأسر أن تعود خلال أسابيع قليلة، وهي التي رتبت حياتها في دول اللجوء أو النزوح؟ كيف يترك طالب اقترب من امتحانه كل شيء ليبدأ رحلة انتقال جديدة؟ وكيف يعود طالب عربي اختار الجامعة السودانية إلى مدينة ما زالت تتعافى من آثار الحرب؟ إنها أسئلة لا تبحث عن مواجهة مع القرار، وإنما تبحث عن إجابة منطقية تحمي مستقبل الطلاب.
*حسنا..الواقع يقول إن الجامعات نفسها لم تستعد جميعها كامل جاهزيتها، وبعضها ما زالت مبانيها ومعاملها وقاعاتها تعاني آثار الحرب. فهل من الحكمة أن نحمل الطالب وحده ثمن التعجل؟
ولذلك جاءت مذكرة أولياء امور هذه الفئه من الطلاب إلى رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء معبرة عن صوت العقل، لا عن روح الرفض. فهي لا تطالب بإلغاء القرار، وإنما تدعو إلى تأجيل تنفيذه حتى نهاية العام الدراسي الحالي، وإتاحة الفرصة للطلاب لإكمال امتحاناتهم، ثم تنظيم العودة بصورة تدريجية تحفظ هيبة الدولة وتحمي حقوق الطلاب في آن واحد.
*إن الدولة القوية ليست التي تتمسك بقراراتها مهما كانت نتائجها، وإنما التي تمتلك شجاعة مراجعة القرار إذا ظهرت معطيات جديدة أو تبين أن تطبيقه سيلحق ضررا بالناس. فالتراجع عن خطأ محتمل ليس ضعفا، بل هو قمة المسؤولية.
*إن آلاف الأسر التي دفعتها الحرب إلى المنافي لا ترفض العودة، بل تنتظرها بفارغ الصبر. لكنها تريد أن تعود إلى وطن يمنح أبناءها الطمأنينة، لا إلى رحلة جديدة من القلق. والتعليم، في نهاية المطاف، ليس ملفا إداريا يدار بالأوامر، بل قضية وطن ومستقبل أمة.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه الدولة اليوم هو أن تستمع إلى صوت أولياء الأمور، وأن تنحاز إلى مصلحة الطلاب، لأن الأوطان التي تحمي تعليم أبنائها هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل، أما القرارات التي تتجاوز الواقع، فمهما حسنت نواياها، قد تتحول إلى عبء كان بالإمكان تجنبه بقليل من التروي وكثير من الحكمة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى