أخبار عاجلةمقالات

الجزيرة.. حلم المشروع

 

*في أعقاب اتفاقية نيفاشا عام 2005، عندما خفتت أصوات البنادق وساد الاعتقاد بأن السودان دخل مرحلة السلام، انفتحت أمام الدولة خزائن النفط، وتدفقت مليارات الدولارات على بلد كان يبحث عن فرصة تاريخية للانطلاق.
في تلك الأيام سألت الخبير الاقتصادي الراحل الدكتور عبدالرحيم حمدي سؤالا لا يزال صداه يتردد في ذاكرتي.. كيف نحول عائدات النفط إلى مستقبل دائم قبل أن ينضب الذهب الأسود؟ فجاءت إجابته حاسمة، وكأنه كان يرى ما سيحدث بعد سنوات: “اجعلوا كل دولار يأتي من النفط يذهب إلى الزراعة… فهي الثروة التي لا تنضب، وهي الضمان الحقيقي للاقتصاد السوداني.”

*لكن تلك النصيحة ذهبت مع الريح، تدفقت أموال النفط، غير أنها لم تتدفق إلى الحقول. لم تصل إلى مشروع الجزيرة، ولا إلى الرهد، ولا إلى طوكر، ولا إلى حلفا الجديدة، ولا إلى المشاريع الزراعية التي كانت تستحق أن تتحول إلى قاطرات للتنمية والإنتاج والتصدير. أنفقنا الثروة المؤقتة، وأهملنا الثروة الدائمة.
*ثم جاءت لحظة الحقيقة.. انفصل جنوب السودان، ورحل النفط، واكتشفنا أننا أضعنا سنوات الوفرة من دون أن نبني اقتصادا قادرا على الصمود. خسرنا المورد الزائل، بعدما أهملنا المورد الباقي.. الأرض.
*اليوم.. يعود مشروع الجزيرة ليذكر الجميع بأن السودان لم يكن فقيرا يوما، وإنما كان فقيرا في إدارة موارده. فكل المؤشرات تؤكد أن هذا المشروع ما زال قادرا على إنتاج الغذاء، واستعادة القطن، وجلب العملات الأجنبية، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل، إذا توافرت الإرادة السياسية والتمويل والرؤية.
*لقد علمتنا التجارب أن النفط قد يرحل، وأن المعادن قد تنضب، وأن الأسواق قد تتقلب، لكن الأرض لا تخون أصحابها، تعطي بقدر ما يبذل فيها، وترد الجميل لمن يحسن رعايتها.

*ولذلك، فإن معركة السودان الاقتصادية لن تحسم في المكاتب المكيفة، ولا في المؤتمرات والخطب، وإنما ستحسم في الحقول، وبين الترع، وعلى ظهر الجرار، وفي يد المزارع السوداني.

لقد رحل عبدالرحيم حمدي، لكن كلماته بقيت حية.. ازرعوا مستقبل السودان قبل أن ينفد نفطه.. لم نصغ إليها بالأمس، فدفعنا الثمن اليوم. فهل نتعلم الدرس اليوم، أم نواصل إهدار الحلم الذي اسمه مشروع الجزيرة؟
*حسنا.. طالعت خبرا عن زيارة مدير مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى لكمير الجعليين، وخلال هذه الزيارة تأكد انه ليس كل حديث عن مشروع الجزيرة يستحق التوقف عنده، لكن حين تتحدث الأرض بالأرقام، يصبح الصمت جريمة.
*فحين تنتج مساحة لا تتجاوز عشرة أفدنة أكثر من ألفين وخمسمائة شوال من الخضروات، فهذه ليست مجرد قصة نجاح زراعي، وإنما شهادة دامغة بأن السودان لا يعاني فقرا في الموارد، بل فقرا في الإدارة والقرار. الأرض موجودة، والمياه موجودة، والخبرة موجودة، لكن الإرادة ظلت غائبة سنوات طويلة.
*حديث المهندس إبراهيم، لم يكن استعراضا لإنجازات، بل كان بمثابة كشف حساب للدولة، الرجل قال بوضوح إن المشروع قادر على إنتاج القطن بمعدلات منافسة، وقادر على تصدير الخضروات وجلب العملات الأجنبية، لكنه في المقابل يحتاج إلى تمويل مستقر، وإلى قرار سياسي ينهي سنوات التردد والتجريب.
*وهنا تكمن المعضلة، فالدول التي تبحث عن النهوض تبدأ بالزراعة، بينما نحن لا نزال نختلف حول من يمول الزراعة ومن يتحمل مسؤوليتها. قانون هنا.. وتعديل هناك، ولجان ومذكرات، بينما الأرض تنتظر من يزرعها، والأسواق تنتظر من يمدها بالإنتاج.
*لقد أثبتت الحرب حقيقة لا تقبل الجدل، أن الأمن القومي لا تحميه البنادق وحدها، بل يحميه أيضا القمح والقطن والذرة والخضروات، فمن يملك غذاءه يملك قراره، ومن يملك صادراته يملك عملته واقتصاده.
*ومشروع الجزيرة ليس مزرعة عادية حتى يدار بعقلية الموازنات الضيقة، بل هو مشروع وطني غير وجه الاقتصاد السوداني لعقود، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة، ومول التعليم والصحة والبنية التحتية، وإذا كان السودان يبحث اليوم عن طريق للتعافي بعد الحرب، فلن يجده في كثرة الشعارات، وإنما سيجده في عودة الجزيرة إلى دورانها الكامل عبر المشروع .
*الرسالة التي خرجت من الكمر الجعليين يجب ألا تضيع وسط ضجيج السياسة، إنها تقول إن المشروع ما زال حيا، وإنه ينتظر من يرفع عنه قيود التمويل، ويمنحه ما يستحق من اهتمام. أما الاكتفاء بالوعود، فلن يحصد سوى المزيد من المواسم الضائعة.
*إن إعادة إعمار السودان لن تبدأ من الخرسانة وحدها، بل من الفدان، ولن تبدأ من المؤتمرات، بل من الترع التي يجري فيها الماء، ومن الحقول التي تمتلئ بالمحاصيل، ومن المزارع الذي يجد التمويل قبل أن يجد الخطابات.
*واليوم.. يقف مشروع الجزيرة أمام الدولة مرة أخرى، لا طالبا صدقة، وإنما عارضا شراكة لإنقاذ الاقتصاد السوداني. والسؤال الذي ينتظر الإجابة ليس.. هل يستطيع المشروع أن ينهض؟ فقد أثبت أنه يستطيع.
السؤال الحقيقي هو.. هل تملك الدولة الشجاعة لتجعل مشروع الجزيرة أولوية وطنية قبل أن تضيع فرصة أخرى من عمر السودان؟

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى