الحاج أحمد المصطفى يكتب.. إلى معتمد الدويم… إمّا دولة… أو فوضى بلا اعتذار

اختار الفريق الركن قمر الدين، والي ولاية النيل الأبيض، البروفيسور صلاح محمد إبراهيم مديرًا تنفيذيًا لمحلية الدويم (معتمدًا مكلّفًا)، ليجلس على سدة الحكم في مدينة ليست ككل المدن؛ مدينة تسرّ الناظر قبل القلب.
الدويم مدينة طيبة، يتمنى كل من عمل فيها أن يعود إليها. كم من موظفٍ حكومي قصدها مؤقتًا، فلما أُحيل إلى المعاش أبى الرحيل، واستقر بها حتى صار واحدًا من أهلها. وكم من محامٍ حملته إليها قضية عابرة، فاستهوته المدينة، فتزوج من بناتها وربط مصيره بها. الأمثلة أكثر من أن تُحصى.
وأهل الدويم، رغم طيبتهم، أهل اعتزازٍ وعلمٍ وتاريخ. هم من قادوا ولاية النيل الأبيض لسنواتٍ طويلة، قبل أن تُختار ربك عاصمةً للولاية، يوم قرر الدكتور علي الحاج فضّ الاشتباك التاريخي بين كوستي العريقة والدويم التاريخ، قبل أكثر من اثنين وثلاثين عامًا.
أعود إلى البروفيسور صلاح.
رجلٌ أكاديمي، صاحب خُلُقٍ رفيع، صقلته قاعات التعليم العالي، ومنحته العربية سمتها وأناقتها. وللصدق، أشفق كثيرون عليه حين سمعوا بخبر تكليفه؛ فالدويم ليست مهمةً إداريةً سهلة، بل مدينة تعرف كيف تختبر رجالها.
لكن الرجل لم يُخيب الظن.
مضى في ذات الطريق الذي ابتدأه الدكتور أبو عبيدة عجبين، وبدأ يتحرك حيث توقّف آخرون. هذه الأيام نشطت المحلية في إزالة التعديات على الطرق الرئيسية، وهنا مربط الفرس.
فالدويم – للأسف – ظلت لسنواتٍ طويلة تُعطي زائرها انطباع مدينة بلا حكومة، بلا سلطة. تمددت المتاجر على حساب الشوارع، أُغلقت الطرق، وتحوّل الباعة المتجولون من باحثين عن رزقٍ شريف إلى سلطة موازية، لا تمد أياديها فقط، بل ألسنتها، على أجهزة المحلية، بلا حسيبٍ ولا رقيب.
وهنا رسالتي المباشرة لمعتمد الدويم:
احذر المتسلقين باسم الطيبة،
والمتاجرين باسم “أهل السوق”،
والمنافقين الذين سيصفقون لك اليوم، ويطعنونك غدًا.
احذر من سيقنعك أن تطبيق القانون فتنة،
وأن الحزم قسوة،
وأن هيبة الدولة “تستفز الناس”.
الدويم لا تحتاج مجاملة،
تحتاج قرارًا.
ولا تحتاج كلماتٍ ناعمة،
بل دولة تُرى على الأرض.
وامضِ يا بروفيسور صلاح، ولا تلتفت.
فالتاريخ في هذه المدينة لا يرحم المترددين،
لكنه ينحني احترامًا لمن يحكمون بالعدل،
ويحمون الطريق العام من الفوضى،
والمدينة من الاختطاف الصامت.
وأدعوك – لا من موقع النصيحة بل من موقع الإنذار –
أن تخرج من مكتبك،
وتتجوّل داخل أحياء الدويم المختلفة،
من مكان سكنك، مرورًا بكل الأحياء السكنية.
سترى العجب العجاب:
منازل أُقيمت على الطريق العام،
اقتُطعت بلا تخطيط،
ولا شهادة بحث،
ولا وجود لها في سجلات الأراضي،
بل حُيزت بوضع اليد.
صوالين ومراحيض وأسوار
أُقيمت بلا حسيب ولا رقيب،
لأن الدولة غابت،
ومن أمن العقاب… أساء الأدب.
فعلا صوت المخالفة على صوت القانون.
وثمّة أمرٌ آخر لا يقل خطورة عن فوضى الطرق:
إنها فوضى الأسعار التي تضرب الدويم بلا رحمة.
هل يُصدّق القارئ أن السلعة نفسها التي تُباع في كوستي وربك،
تُباع في الدويم بثلاثة، بل أربعة أضعاف؟
أي منطق هذا؟
وأي سوق هذا؟
الفوضى، يا سعادة المعتمد،
ليست في الشوارع وحدها،
بل في رفوف المتاجر،
وفي غياب الرقابة،
وفي صمت الجهات المعنية.
فإن كانت هناك رسوم تُفرض على حركة السلع،
أو عند الكبري،
فإن ثبت ذلك،
فنداؤنا الصريح لقيادة الولاية:
ارفعوا هذه الرسوم،
فقد قصمت ظهر أهل الدويم،
وأرهقتهم،
وجعلت المعيشة عسيرة.
وإن لم تكن الرسوم هي السبب،
فإن المسؤولية تنتقل مباشرةً إلى الغرفة التجارية بالدويم.
وهنا أخصّ بالذكر الأخوين
عبد الحليم طه
وحاتم علوب،
ولا أظن أن أحدًا في الدويم يشك في حبهما وتفانيهما في خدمة أهل المدينة.
لتكن حملة إزالة تشوهات الطرق
فرصةً حقيقية لإزالة تشوهات كل شيء:
الأسعار…
النظافة…
المخالفات…
وكل ما أنهك هذه المدينة بصمت.
يا بروفيسور صلاح،
أنت اليوم في مفترق طرق:
طريقٌ واضح، مستقيم، مكلف،
لكنه يحفظ لك اسمك ومكانك،
وطريقٌ سهل، منمّق،
مغطى بالتصفيق،
لكنه ينتهي دائمًا
بتحميلك وزر الفشل وحدك.
لا تسمع لمن يقول:
“اهدأ… خليها بعدين… الناس تعبانة”.
فالناس تعبت لأن الدولة غابت،
لا لأن القانون حضر.
ولا تُصغِ لمن يلوّح بورقة
“الدويم مدينة طيبة”،
فالطيبة لا تعني الفوضى،
والكرم لا يعني التنازل عن الحق العام.
نعم، سيكون هناك ضجيج.
نعم، سيعلو الصراخ.
نعم، سيخرج من يتهمك بكل شيء.
لكن صدّقني:
بعد أول شارع يُفتح،
وأول طريق يُستعاد،
وأول تاجرٍ يعرف أن القانون لا يُجامل،
سيصمت الضجيج…
ويبدأ الاحترام.
هذه مدينة لا تحترم المترددين،
ولا تغفر لمن خذلوها باسم الحكمة الزائفة.
فامضِ…
واحمل معك ميزان العدل، لا ميزان المزاج.
واجعل القانون أعلى من السوق،
والدولة أعلى من الأفراد.
هذا… أو الطوفان.
والتاريخ… يسجّل.