أخبار عاجلةمقالات

الحاج أحمد المصطفى يكتب.. هل نفعت شركة زادنا السودان؟ أم أننا لا نجيد إلا لعبة الكراسي؟

من أكبر القضايا التي تعترض نهضة بلدنا السودان ليست قلة الموارد، ولا ضعف الإمكانات، بل تلك الرغبة المزمنة في إيقاف أي نجاح، والتشكيك في أي تجربة قبل أن تكتمل. تعودنا منذ الصغر على لعبة الكراسي؛ خمسة أشخاص يتسابقون على أربعة مقاعد، يدورون في حلقة مفرغة في انتظار صفارة الحكم، وما إن تنطلق حتى يتدافع الجميع ليجلس أربعة ويُقصى الخامس. ثم تتكرر اللعبة حتى يبقى شخص واحد.
المؤسف أن هذه اللعبة لم نتركها في ساحات الطفولة، بل انتقلت إلى حياتنا العملية وسلوكنا العام. ما إن نسمع بمؤسسة ناجحة، أو تجربة رائدة، أو مشروع بدأ يحقق نتائج، حتى يبدأ البعض في البحث عن ثغراته لا لتقويمها، بل لإسقاطه. كأن النجاح في بلادنا تهمة تحتاج إلى دفاع.
ينطبق هذا المشهد كثيرًا على شركة زادنا للتنمية المحدودة.
وأقولها بوضوح: لا أعرف مديرها الدكتور طه حسين معرفة شخصية، ولا تربطني به علاقة خاصة، سوى لقاء عابر في بورتسودان خلال دعوة وُجهت للإعلاميين المشاركين في ندوة “قضايا الاعلام التي نظمها. مركز الأستاذ جمال عنقرة في مايو 2024. لكنني، كمراقب ومتابع لمسيرة الشركة أرى أن الإنصاف يقتضي ان نقول كلمة حق. رغم ان الحرب أحدثت تصدعًا عميقًا في جدار الاقتصاد القومي، ورغم شلل كثير من المؤسسات، ظلت زادنا تعمل – وبصمت – في المشاريع الزراعية، واستصلاح الأراضي، وتوسيع الرقعة المزروعة. في ولايات مثل نهر النيل والشمالية النيل الأبيض وسنار وشمال كردفان وغيرها، وشرعت في انشاء طرقً مسفلتة وترابية تخدم الإنتاج الزراعي فاستبشر اهل تلك الولايات وفي مخيلتهم مانحقق بنهر النيل من زا دي (1)وزادي(2، ) وأسهمت عبر تلك المشاريع في إدخال قدر من الميكنة والتنظيم في قطاع ظل لعقود يعاني من العشوائية
في بلد يعتمد على الزراعة كمورد أساسي، أي جهد يُبذل في هذا القطاع هو – بالضرورة – جهد في صميم الأمن القومي. فزيادة الإنتاج تعني غذاءً أوفر، وفرص عمل أوسع، وتخفيفًا لضغط الاستيراد، وتحريكًا لعجلة الاقتصاد الراكد.
هل يعني ذلك أن الشركة فوق النقد؟ بالتأكيد لا. النقد حق، والمساءلة واجب، والشفافية ضرورة لا غنى عنها. لكن هناك فرقًا بين النقد البنّاء الذي يهدف إلى التقويم والتطوير، وبين الهجوم الذي يهدف إلى التشويه والإسقاط.
وما دعاني لهذا الحديث في هذا الأمر، هو ما ورد مؤخرًا من أن بعض الصحفيين طالبوا بإقالة مدير زادنا بسبب أغنية كتبها أو غنتها احدي الفنانات – لم أسمع بها من قبل – تمتدح فيها المدير بعنوان “نفع بلدو”!
ولعمري، إن صحّ هذا، فهي قمة السخافة في إدارة الخلاف العام….ما علاقة مدير شركة بأغنية كتبها شاعر أو أنشدتها فنانةمن تلقاء نفسها؟ ولماذا في كل مرة يتردد نبأ اقالة واعفاء مدير زادنا من منصبه كانما قضايا السودان ستحل برحيل هذا الرجل دون غيره من مديري الشركات الاخري والذين ترتسم علي مقرات شركاتهم من الخارج علامات الفشل وتردي العمل ولا يسالهم احد او ينادي باقالتهم مع انهم دون غيرهم يستحقون الاعفاء اليوم قبل بزوغ شمس الغد.
هل أصبحت مشكلتنا الوطنية الآن أغنية مديح، في وقتٍ لا تزال فيه المعارك تدور، والاقتصاد يترنح، والعدو يتربص بنا و من داخل مدننا و قرانا ويحوم حول ولايتنا الآمنة؟ إن كان فنان او فنانة قد اعجبتها تجربة شركة، أو رأت في إدارتها نموذجًا يستحق الإشادة، فغنت كلمات تراها هي تمجيدًا لعمل وطني، فذلك تعبير فني تتحمّل صاحبته مسؤوليته. أما أن تتحول أغنية إلى مسوغ لإقالة مسؤول، فتلك سابقة تفتح أبواب العبث على مصاريعها.قد يختلف البعض مع فكرة التمجيد، وقد يرى آخرون أن المؤسسات يجب أن تعمل في صمت بعيدًا عن الأضواء. هذا رأي يُحترم. لكن الرأي لا يُواجه بقرار إداري، ولا يُعالج بالمطالبة بالإقصاء.
المعيار الحقيقي لأي مسؤول هو:هل أدّى عمله بكفاءة؟
هل حقق نتائج ملموسة؟
إن كان الجواب نعم، فليست المشكلة في أغنية.
وإن كان الجواب لا، فالمحاسبة تكون بالأرقام والحقائق، لا بالأهازيج… اذن القضية في جوهرها ليست زادنا وحدها، بل ثقافة كاملة تحتاج إلى مراجعة.
هل نريد أن نوسّع القاعة لتكفي الجميع؟ أم سنظل ندور حول المقاعد القليلة، ننتظر صفارة الإقصاء؟ اتركو الدكتور طه حسين يعمل، ودعوا زادنا تمضي في مشاريعها الزراعية وخدمة الإنتاج. فإن أحسنت فذاك للسودان، فإن أخفقت فالسودان أولى بالمراجعة والتقويم.
السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى كل يد تبني، وكل مشروع ينتج، وكل مؤسسة تخلق قيمة حقيقية. أما لعبة الكراسي، فقد آن الأوان أن نتركها في ساحات الطفولة… لا في مستقبل وطن بأكمله..ولي عودة

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى