أخبار عاجلةمقالات

الحرب الباردة … من المستفيد من جر عربة الحصان إلى الخلف؟

 

لقد عرفت العلاقات الدولية مصطلح ( الحرب الباردة ) بوصفه صراعاً غير مباشر يعتمد على أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي والاستخباراتي ، دون مواجهة عسكرية شاملة، واليوم يرى بعض المراقبين أن أشكال الصراع الحديثة قد تشمل أيضاً استهداف البنى التحتية والخدمات الحيوية والتأثير في قدرة الدول على الإنتاج والتعافي وهي وسائل تختلف في طبيعتها عن الحرب التقليدية لكنها قد تترك آثاراً اقتصادية واجتماعية عميقة . تلك هي الحرب التي يواجهها الشعب السوداني الآن الذي لم تتوقف معاناته عند أزيز الرصاص ودوي المدافع بل امتدت إلى ميادين أخرى لا تقل خطورة عن ساحات القتال فبعد أن تجاوزت البلاد مراحل عصيبة من الحرب، وصمد الشعب السوداني بفضل الله، ثم بتضحيات قواته المسلحة والقوات المساندة لها، واستعادت الدولة عدداً من المدن التي عانت من ويلات الحرب، برزت تحديات جديدة تستهدف حياة المواطن ومعاشه، في محاولة لإبطاء مسيرة التعافي وإعاقة جهود إعادة البناء .
إن استهداف البنية التحتية والخدمات الأساسية وفي مقدمتها الكهرباء، لا ينعكس أثره على إنارة المنازل فحسب، بل يمتد ليصيب قطاعات الإنتاج، وعلى رأسها الزراعة، التي تمثل ركيزة الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني ، إن استهداف الكهرباء أو تعطيل مشاريع الري أو إضعاف الموسم الزراعي لا يضر الحكومة وحدها بل ينعكس أولاً على المزارع الذي يفقد محصوله والعامل الذي يفقد مصدر رزقه والمواطن الذي يواجه ارتفاع أسعار الغذاء ولذلك فإن حماية التنمية ليست مسؤولية الدولة وحدها بل مسؤولية المجتمع كله لأن التنمية هي خط الدفاع الأول عن سيادة الوطن واستقراره .
حدثني أحد أقاربي، وهو من أصحاب المزارع البستانية عن المعاناة التي يعيشها المزارعون بسبب الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، فقد أدى ذلك إلى توقف طلمبات الري وجفاف مساحات مزروعة وخسارة أشجار ومحاصيل استغرق إنتاجها سنوات من العمل والرعاية، واضطر كثير من المزارعين إلى تشغيل المولدات باستخدام الجازولين الذي ارتفعت أسعاره بصورة كبيرة بينما تظل الطاقة الشمسية رغم أهميتها خياراً يحتاج إلى استثمارات كبيرة في الألواح والبطاريات لا يستطيع كثير من المزارعين تحمل تكلفتها ،
وهنا تتجلى صورة من صور الحرب غير المباشرة فحين يُعطل الإنتاج وتُرهق الزراعة ويُثقل كاهل المنتجين بارتفاع تكاليف التشغيل فإن النتيجة تكون إبطاء عجلة التنمية وإضعاف الاقتصاد وهو ما ينعكس في النهاية على حياة المواطن لأن هناك من يرى أن إضعاف البنية التحتية وتعطيل الإنتاج واستهداف القطاعات الحيوية لا يخدم المواطن ولا الدولة وإنما يمنح الفرصة لمن يراهن على إطالة أمد الأزمات وتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو أمنية ، ونجد أن الدول تتنافس على النفوذ والموارد والمصالح الاقتصادية وتسعى كل دولة إلى حماية مصالحها الوطنية وفق سياساتها لذلك فإن الدول الغنية بالموارد الطبيعية قد تصبح محل تنافس إقليمي أو دولي مما يجعل من المهم تعزيز مؤسسات الدولة وحماية البنية التحتية وبناء اقتصاد قوي قادر على الصمود أمام الضغوط الخارجية و الداخلية و الخونة والعملاء فإن أخطر ما يقومون به ليس فقط ما يفعلونه بأيديهم بل ما يسهمون في ترويجه من إحباط ونشر للشائعات وإضعاف للثقة في مؤسسات الدولة والعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على خدمة أجندات لا تخدم المصلحة الوطنية فهم يمثلون أدوات داخلية تستغلها الجهات التي تتعارض مصالحها مع استقرار البلاد كما أن أصحاب المصالح الضيقة وتجار الأزمات يحققون أرباحاً كلما تعطلت عجلة الإنتاج وارتفعت الأسعار وندرت السلع وتفاقمت معاناة المواطنين فالأزمة بالنسبة لهم ليست كارثة بل سوق مفتوحة للمضاربة والاحتكار وتحقيق المكاسب .
إن الحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية وتأمين قطاع الكهرباء، ودعم المزارعين وتوفير بدائل مستدامة للطاقة من أهم الأولويات لضمان استمرار الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي كما أن تعزيز سيادة القانون ومكافحة الفساد وحماية المرافق العامة وتشجيع الاستثمار في البنية التحتية كلها عوامل تسهم في تقوية قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية .
ورغم الصعوبات أثبت الشعب السوداني عبر تاريخه قدرة كبيرة على الصبر والتماسك والعمل وكلما اشتدت المحن برزت إرادة البناء والإعمار مدعومة بجهود الدولة وبمساندة كل من يسعى إلى استقرار السودان وازدهاره ، لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تتكاتف في أوقات الشدة وتحافظ على وحدتها وتقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية هي الأقدر على تجاوز المحن وإفشال كل المحاولات الرامية إلى جر عربة الوطن إلى الخلف مهما تعددت الوسائل وتنوعت الأدوات .
إن مستقبل السودان لن يُبنى بالشعارات وحدها وإنما بالإنتاج وحماية المشاريع الزراعية وإعادة إعمار ما دمرته الحرب وتكاتف أبناء الوطن جميعاً حول هدف واحد : ( هو أن يعود السودان بلداً آمناً ،مستقراً وقادراً على تحقيق التنمية التي يستحقها شعبه) .

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى