أخبار عاجلةمقالات

الشاذلي حامد المادح يكتب.. الفريق أول مفضل .. حارس الصندوق الأسود الذي روّض العواصف

 

 

يسود الشارع السوداني اليوم حالة من “إعادة الإكتشاف” لمؤسسات الدولة السيادية و في مقدمتها جهاز المخابرات العامة . فبعد سنوات من حملات التشويه الممنهجة و الممولة التي إستهدفت تفكيك الجهاز تحت شعارات سياسية براقة . يدرك الرأي العام الأن – وسط أزيز الرصاص و المدافع أن الجهاز لم يكن مجرد أداة قمعية كما روّج الخصوم ، بل كان حائط الصد الأخير للأمن القومي .
تشير إتجاهات الرأي العام إلى التقدير العالي للدور الميداني لـ “هيئة العمليات” التي عادت لتمثل القوة الضاربة في “معركة الكرامة” بجانب الإدراك الشعبي لأهمية “دبلوماسية الظل” التي يقودها الجهاز لتصحيح المفاهيم المغلوطة لدى المجتمع الدولي حول حقيقة هذه الحرب التي ضربت بلادنا في الخامس عشر من إكتوبر 2023م .

*كفاءة المهنة و إحترافية القائد ..*
قبل الحرب بأشهر كان المشهد في الخرطوم ضبابياً .. تحالفات سياسية تضغط لتفكيك “عقل الدولة” و رجل ثانٍ في الدولة (حميدتي) يرى في إحترافية المخابرات عائقاً أمام طموحه مما أدخله في قطيعة معلنة مع الفريق أول مفضل و مع الجهاز برمته .
فألتزم الجهاز “المهنية” منهجا و مارس صبره و حكمته في مواجهة حالة اللا وعي التي تحاصره من قوي سياسية متربصة و رجل ثان في السيادة ينظر لكل شيء من منظور مشروعه السلطوي الذي يخطط له .
لم تكن مسيرة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل في قيادة جهاز المخابرات العامة مجرد وظيفة أمنية بل كانت “مهمة وجودية” بدأت فصولها الأكثر إثارة قبل الحرب بفترة طويلة . ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تعيش “سيولة سياسية” حادة و تغولاً من نائب رئيس مجلس السيادة آنذاك (حميدتي) و الذي سعى لتطويق الجهاز و تحويله إلى تابع أو شَلهِ كلياً .. وقف مفضل متسلحاً بـ “منطق الدولة” و مهنية المخابرات و تتجلى عظمة هذه المهنية في حادثة جوبا الشهيرة و السودان يتلقى إتهامات صريحة من جنوب السودان بالعمل علي نسف إستقراره فيطير حميدتي لجوبا و برفقته وفد أمني رفيع ليجتمع بسلفا و ينظر في تلك الإتهامات .. فبينما عجزت الدبلوماسية السيادية التي يمثلها حميدتي أمام سلفاكير – عن تقديم الدفوعات إنبرى مفضل ليفكك الإتهامات بـ “لغة مخابراتية” رصينة و حقائق ميدانية دامغة أحرجت المضيفين و نسفت جبل الوهم الذي عشعش في ذهن سلفا و أجهزته .. و جعلت حميدتي و هو لحظتها الصامت الأكبر ينحني أمام هذه الكفاءة المهنية الرصينة و الإحترافية العالية التي عالج بها مفضل خطرا عظيما ربما كان سيفضى لما لا تحمد عقباه و من لحظتها يرفع حصاره عن الجهاز و يعاود مضطرا للتعامل معه و قد أدرك الحقيقة كاملة “ألا بديل للمخابرات إلا المخابرات” .

*الإنتقال الإستراتيجي .. من بيان الإنحياز الي إدارة المعركة*
إن السر في نجاح مفضل يكمن في خبرته التي إمتدت لأكثر من ثلاثين عاماً أنفقها متنقلا علي كافة هيئات الجهاز .. أربعة منها كان مديرا لها فجمع تفاصيل الأمن و المخابرات كلها و زاد علي ذلك والٍ لولاية جنوب كردفان بكل تعقيداتها و خصوصيتها و كأن كل ذلك كان إعدادا لقدرٍ أعظم نحن الأن بين يديه و هذا ما جعل منه “حلقة الوصل الصلبة” التي أدارت معركة المخابرات في حرب الكرامة من كل ميادينها بحكمة القائد و كفاءة المدير . فبجانب الإسناد العسكري المباشر للقوات المسلحة عبر كتائب الجهاز التي قدمت قوافل من الشهداء و الجرحى و المفقودين قاد الجهاز مبادرات جبارة في العمل السياسي و الإعلامي و الإقتصادي و الإجتماعي عززت من تماسك الدولة و هي تخوض حربا وجودية .
لم يكن خروج الفريق أول مفضل من الخرطوم مجرد انسحابٍ فرضته نيران الحرب و هي تحاصر وجوده في الخرطوم بل كان “انتقالاً استراتيجياً” بعد معركة صمودٍ استثنائية . ظل الرجل مرابطاً في قلب العاصمة يتنقل بين محاورها و يعيد ترتيب مفاصل العمل الميداني و يشرف على أدق تفاصيل الجهد العسكري لجهاز المخابرات و من قلب الحصار صاغ “بيان الإنحياز” التاريخي . ذلك البيان الذي لم يكن مجرد كلمات بل وثيقة عهد أعلنت فيها المخابرات السودانية وقوفها الصلب مع شرعية الدولة و إرادة الشعب ، متجاوزة الولاء القبلي و متحدية للأجندات الأجنبية و مترفعة عن الطموحات الشخصية العابرة .

*بعث الأسود ..”أمن يا جن ” و زلزال هيئة العمليات*
لم يغادر مفضل موقعه من داخل الخرطوم إلا بعد أن أرسى دعائم العمل الميداني في رحلة خروجٍ جسدت *”المخاطرة المحسوبة”* التي يتقنها قادة الظل .. خروجٌ لم يكن فراراً بل كان إيذانًا ببدء معركة “إستعادة الدولة” و إعادة دوران دولاب عملها من مواقع بديلة .
على الصعيد الميداني لم يكن قرار قيادة الجهاز بإعادة منسوبي هيئة العمليات للعمل قبل الحرب بأشهر قرارا عابرا بل كان “بعثاً استراتيجياً” لمؤسسةٍ حيكت ضدها المؤامرات في وضح النهار .. لقد استنهض القائد المدير (مفضل) و برفقته نائبه الأمين (اللبيب) هِمم “أسود” المخابرات الذين تحولوا إلى حائط صدٍ صلب في خنادق القتال جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة.
توسع الجهاز في إطلاق كتائبه النوعية مستنفراً منسوبي الهيئة الذين طالما إستهدفهم “حميدتي” و سعى لتفكيكهم مستغلاً حالة “اللا وعي السياسي” التي سادت في حقبة الحكومة الانتقالية الحمدوكية . تلك الحقبة التي إصطفت فيها حكومتها أمام كاميرات الإعلام لتعلن حل الهيئة و نعتها بـ “الإرهاب” بينما كانت الحقيقة هي التخلص منها و إزالة “العقبة الكأداء” أمام مخططات الإستيلاء على السلطة التي كان يخطط لها المجرم المليشي حميدتي .
في ظل أصعب الظروف و لهيب الحرب في أوج اشتعاله ، إكتملت ترتيبات إستعادة هيئة العمليات و إستنفار ضباط و عساكر الجهاز و من رحم هذا المخاض العسير صدح النداء الخالد الذي زلزل الأرض : (أمن يا جن) .
أثبتت مجريات العمليات في العاصمة و الولايات حقيقة هؤلاء الرجال حيث لم تكن هيئة العمليات أداةً للقمع كما توهم القاصرون بل كانت درعاً ادُّخر لصون حياض الوطن و ما جسارتها في حرب الكرامة إلا برهانٌا ساطعا على أنها قوةٌ وُجدت لتبقى سنداً للجيش و عوناً للبلاد .
لقد قدم الجهاز تضحياتٍ جسام شملت ألاف الشهداء و الجرحى و المفقودين و لعل “مقبرة جبل سركاب” تقف اليوم شاهداً صامتاً و بليغاً و خالدا و هي تضم مئات الشهداء الأبرار الذين سطروا بدمائهم ملحمة الفداء حيث تحولت دماء شهداء المخابرات إلى وقودٍ أعاد صياغة مفهوم العقيدة الأمنية السودانية .

*دبلوماسية الظل .. حراك لا ينقطع*
و علاوة على ذلك إستطاع الجهاز بقيادة الفريق أول مفضل و نائبه الشاطر (عباس) نقل المعركة إلى الفضاء الدولي ببراعة “دبلوماسية الظل” فكان رفيقاً دائماً لرئيس مجلس السيادة في زياراته الخارجية كـعقل إستراتيجي يفلح في ضبط التوازنات الحادة .. فالمرافق هنا ليس مجرد ناقل للمعلومة بل هو صانع سيناريوهات يمتلك الأجندة قبل طرحها و يحسن التعامل مع المستجدات بـفكر مخابراتي إستباقي و يجيد فك شفرات ما وراء الأجندة في الغرف المغلقة و يتقن فن استخلاص المشتركات من ركام الخلافات .
لقد تجلت كفاءة المخابرات في قدرتها على تفنيد أباطيل التمرد المليشي بالحجة الموثقة محولةً المعلومة إلى سلاح حسمٍ دبلوماسي فضح سردية التمرد و أعاد صياغة وعي المجتمع الدولي بما يجري في السودان من حربٍ .. المليشيا فيها مجرد أداة .
إن هذا الأثر المتعاظم لما أنجزته المخابرات في هذه الحرب هو ما يفسر حدة هجوم “حميدتي” الأخير على شخص مفضل و هو هجوم يترجم “الوجع العملياتي” من كفاءة جهاز أتقن فن الإجهاض الإستراتيجي لمشروع التمرد .. و لهذا يصرخ الهالك .

*بيت المخابرات .. الوفاء بالإنصاف*
و على صعيد الواجب المقدس داخل المؤسسة أدار مفضل “بيت المخابرات” بعقيدة الأب و القائد فأنصف العضوية و المعاشيين معا و أرسى دعائم العدل الإداري في أحلك الظروف مما خلق حالة من “الإجماع المهني” و الولاء المطلق .
لقد واجه مؤامرات الداخل و الخارج بصبر إستراتيجي منتهاه أن يظل الجهاز مؤسسة سيادية فوق الإستقطاب و حاضرة في حضرة الوطن و تحدياته و مهدداته .. إنه القائد الذي سكب صحته و راحته في تفاصيل الحراك المخابراتي اليومي الذي لا ينقطع و لا يهدأ .

*صفوة العقول التي واسَت الوطن بدمائها*
أما سدنة الدولة من ضباط و جنود الجهاز في المعاش و في الخدمة ..
تقف الكلمات عاجزة أمام تفانيهم و هم الذين شيدوا بذكائهم صرحاً أمنياً صُنِّف من بين أقوى أجهزة المخابرات في القارة السمراء و المنطقة العربية .. هؤلاء الصفوة الذين إحتملوا مرارة الإحالات الكيدية و الزج في السجون لم ينكسر ولاؤهم بل إنخرطوا في خنادق القتال في أقدس معارك الكرامة .. إنهم المبدعون الذين أثبتوا أن “شطارة المخابرات” تكمن في عقيدة الصمود التي لا تتزحزح .. سلامٌ على هؤلاء الصامتين في ذرى المجد .. الذين أثبتوا أن معادن الرجال لا تزيدها نيران المحن إلا بريقاً و نقاءً .

*عصارة الحقيقة ..*
ختاماً .. إن صمود جهاز المخابرات العامة في وجه العواصف لم يكن محض صدفة بل هو ثمرة إرثٍ استخباراتي عريق و مدرسةٍ وطنيةٍ فريدة ، صاغتها عقولٌ هي الأذكى تأهيلاً و الأكثر عطاءً وفداءً و في قلب هذا الصمود برز الفريق أول مفضل كابنٍ وفيٍّ لهذه المدرسة يقودها بروح المؤسسة لا بروح الفرد ليؤكد مع رجاله أن المخابرات السودانية ليست مجرد جهازٍ أمني بل هي ذاكرة الدولة الحية و سياجها المنيع . لقد أثبتت هذه الكوادر الإستثنائية أنهم الرقم الذي لا يقبل القسمة في معادلات السيادة و الحارس الذي يستمد قوته من عقيدة الإنتماء ليظل الجهاز دوماً هو الصخرة التي تتحطم عليها أوهام التآمر و القلب النابض بكرامة الوطن و عزته .

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى