المهندس أحمد باجيج بكتب..الخشب المتحجر

ازدهر السودان خلال العقود الماضية بالإبداع الحرفي والفني من منحوتات العاج وعظام الحيوان. وتطورت حرف ومهارات في صناعة منتجات جلود الحيوان البري والأليف. وشاهدنا روائع من التحف غاية في الروعة والجمال. الان اعترى تلك الساحة الإبداعية كثير من الركود والضمور. و تقلص سوق السياحة و تعسر ولم يتيسر سبيل الحصول على الخامات اللمطلوبة لتلك الابداعات.
وكذلك كانت اليونان، دولة مبدعة ومزدهرة بمثل هذه المنتجات وعلى الاخص صناعة التحف الجلدية، مستلهمة في ذلك ارثها الحضاري العريق. فاصبحت هي القبلة التي هاجر اليها الكثير من مبدعينا. ولكن ايضا، ولأسباب مختلفة تماما ، ما لبثت ان هجرت البونان موروثها ذاك الفخيم، وذهبت تتمرغ في نعيم ورفاهية منطقة اليورو بالدين. و بالمثل تقلص سوق الابداع، ليجد ابناؤنا انفسهم، مرة أخرى، وجها لوجه مع الفاقة. و لكن ما هي الا سنوات حتى أفاقت الدولة ذات يوم على طرقات أزمة اقتصادية ومالية طاحنة أودت بالحكومة وهزت المجتمع من القواعد . ولم تجد الدولة، وهي تترنح تحت وطأة الأزمة الا ان ترتد و بقوة إلى إنعاش موروثها الحرفي من جديد كمخرج من الضائقة التي حلت. وهنا ولغياب التوعية ، لم يلتفت احد إلى البدائل الأخرى من الخامات المتاحة. خامات يمكن إن تثري مجال الإبداع الفني والحرفي بالجديد. واستنهاض حنكة وابداع اجيالنا المتعاقبة . و لم يفكر احد في انقاذ الموقف المتردي لانجاز يحتضر. فترنحت الهمم وتهاوى حس الابداع الفطري الى مهابط النفاق ممسكا بقشة البقاء. وعم التوهان عند مفارق الطرق . وهان على البعض انفسهم واستسلم لسوء الظن بقدراته ، وفقد الثقة حتى عاد كائنا مهملا يركن الى اللامبالاة . حتى اصبح عند بعض مسؤوليه اما جاهلا تستحمره او حمارا تستجهله.
من الخامات المنشودة والتي نظن انها مهملة او منسية الخشب المتحجر، أو الخشب المحجر. فما هو هذا الخشب المتحجر ؟ هو ناتج تفاعل كيميائي تحت الارض للخشب مع املاح المعادن، في عملية طويلة ومعقدة تستغرق ملايين السنين. تفاعل يمر عبر مراحل عديدة يتم فيها إبدال خلايا الخشب المطمور تحت الأرض، خلية خلية ، بترسبات مركبات المعادن. وفي النهاية يذوب الخشب وتبقى الحجارة، لكنها محتفظة بنفس تفاصيل ونقش الخشب. وتتم عملية التحجر في وجود 3 عناصر هي :- الخشب والماء، والطين أو الوحل، وفي غياب اكسجين الهواء سبب التسوس والتآكل . تحمل تيارات الأنهار على مدى ملايين السنين الخشب المتساقط من الأشجار والاشجار التي هوت وتعبر به شاسع الفيافي والوهاد عبر البحيرات والبرك والمستنقعات، فيتراكم الوحل فوق الخشب والكائنات المندثرة معه تحت ثقل الطين المتراكم. بينما يأخذ النهر طريقه إلى البحر. قد يبلغ سمك طبقة الوحل المترسب فوق الخشب ما يزيد عن 100 متر. و تبدا خطوات التحجر، بفعل ما يحتويه الطين والرماد البركاني، من الأملاح الكيميائية لمختلف المعادن. تتفاعل الاملاح مع الخشب وتترسب بلوراته في فجوات خلايا الخشب لتحل محلها. فتنمو بلورات المعادن وتكبر بمرور الوقت ويذوب الخشب تدريجيا ولا يبقى منه الا القليل .
وبتأثير عامل الزمن نفسه، تجف البحيرات والمستنقعات وترحل الأنهار وحتى البحار عن مواضعها، تاركة سهولا تحتها أطنان من الخشب المتحجر . و فورا بعد ذلك تبدأ عوامل التعرية، من الرياح والسيول فعلها وتجرف التراب، الذي كان وحلا قبل رحيل الانهار والبحار،. وتدريجيا عبر العصور يتكشف الخشب المتحجر فوق سطح الارض بواسطة الجرف وعواصف الرياح . عملية بطيئة ولكنها ابدا مستمرة، و ما تكشف منها حتى ألان لا يتجاوز طبقة الثلاثين مترا الأولى من التراكم. ورب مناطق كانت يوما ما مساحات شاسعة من الغابات المبللة، أو شواطئي لمسطحات مائية تكسوها الأحراش والأدغال، هي اليوم صحارى وبيد لكنها غنية بهذا الخشب. فسنة الحياة إن تتساقط الأشياء وتموت. وبفعل القوانين الكونية، قد تجتاح المناطق، احيانا انزلاقات أرضية او تسونامي بحري، او براكين تدفن الاحياء وتسبب هذه الظواهرة.