انواء الروح شهادة قلم عاصر الانكسار… الحلقة الثامنة عشرة

قندهار… نذير الشؤم
■ كأن الحصار الذي ضربته مليشيا الغدر حول بيوتنا في تلك الأيام العجاف، لم يكن كافياً، ففرضت علينا الأقدار حصاراً نفسياً ومقاطعة اجتماعية قسرية، قضينا إثرها يومين بين جدران البيت وأرفف البقالة، لا نكاد نبين، ولا يكسر وحشة هذا الصمت الرهيب سوى خطوات مخلصة لأصدقاء لم تبدلهم المحن، فكانت زيارات محمد عبد الله يعقوب، وعلي شريف، والحبيب محمود جيلي، والاستاذ احمد زكريا واحمد الكباشي بمثابة النبض الذي يطمئننا بأننا لا نزال على قيد الحياة في مدينة قرر الأوباش قتل كل مظاهر الوجود فيها.
■ من أقسى تجليات الإرهاب التي عشناها في تلك الفترة، ما حدث في مساء ذات يوم عقب أداء فريضة المغرب، حين تحلقنا في مجموعتين، كنا نحو ثمانية أشخاص، لنتناول وجبة الغداء التي أُعدت بمنزلي، وبينما كانت النفوس تهنأ بلحظة اجتماعية نادرة وسط هذا الركام، اقتحمت عربة مسرعة الميدان الغربي للمنزل والبقالة بصورة مفاجئة، ليشرع أفراد المليشيا في إطلاق وابل من الرصاص العشوائي والمكثف تجاه تجمعنا، دون مراعاة لحرمة بيت أو حياة بشر، وكأننا في غابة لا قانون يحكمها سوى فوهة البندقية.
■ في تلك اللحظات العصيبة، تفرق جمعنا في لمح البصر، حيث سيطرت غريزة البقاء على المشهد، وهرول الجميع في ذعر شديد بحثاً عن مأمن يحجبهم عن رصاص الغدر، لنتكدس خلف جدار البقالة الداخلي الذي صار جداراً فاصلاً بين الحياة والموت، بينما كانت أصوات الرصاص تخترق سكون المساء وتصيب القلوب قبل الجدران، وسط حالة من الذهول الذي ألجم الألسن عن الكلام إلا من استغاثات مكتومة ودعوات بالستر من هول ما نرى ونسمع من أزيز الرصاص فوق رؤوسنا.
■ وما زاد المشهد بشاعة، هو تلك القهقهات الهستيرية التي أطلقها “المخمورون” من أفراد المليشيا، وهم يراقبون رعبنا وهرولتنا من خلف بنادقهم، قبل أن يمضوا في طريقهم بدم بارد وكأن شيئاً لم يحدث، تاركين خلفهم رائحة البارود ونفوساً مثقلة بالقهر، حيث أدركنا حينها أننا نواجه فئة استباحت كل شيء، وأن البقاء تحت رحمتهم هو ضرب من الانتحار البطيء، ولم يعد هناك مكان للأمان تحت وطأة هؤلاء المستهترين بأرواح الأبرياء وكرامة الإنسان.
■ في اليوم التالي وعقب صلاة الجمعة، وفي لحظة صدق لم تحتمل التأجيل، أسررت لعلي شريف بنيتي للخروج فجر الغد بصحبة ابني عبد الخالق، لإيصاله إلى أمان مدينة مدني ومن ثم العودة، فاستحسن الفكرة وشدد على الكتمان، بعد أن ضاق بنا الحال جراء المراقبة المشددة من استخبارات المتمردين حول منزلنا، فقررنا الخروج من هذا الجحيم مع خيوط الفجر الأولى من يوم السبت، قبل أن تستيقظ الوحوش من غفوتها، وفي صدورنا غصة الرحيل المُر عن ديار ألفناها، وشيدتها من ليالي الاسى ومر الذكريات لكنها غدت مسرحاً للتنكيل والوعيد.
■ حاولت عصر الجمعة عبثاً مع حداد بالحي تأمين أبواب المنزل الخارجية منعا لمحاولات النهب والسرقة في غيابي، فتم لحام “الضلف” مع بعضها البعض في محاولة يائسة لصد العدوان، إلا أن ذلك الحديد لم يصمد لاحقاً أمام جشع الناهبين الذين نالوا من كل مقتنياتنا.
▪️بت تلك الليلة أتقلب على جمر القلق، أصارع هواجس الفجر ورهبة الطريق، فكان همي الوحيد هو إخراج عبد الخالق من هذه المحرقة “الجنجويدية” وتجنبه مصيراً أسوداً يتربص بالشباب، فكان الخوف رفيقي والدعاء سلاحي في عتمة تلك الليلة الطويلة.
■ مع نداء الفجر، صلينا صلاة مودع في المسجد، وكأنها صلاتنا الأخيرة فلم نودع أحداً غير علي شريف الذي ودعته ليلاً، ثم عدنا للبيت لنلقي نظرة الوداع الأخيرة.
▪️لم نحمل من حطام الدنيا سوى “قطعتي ملابس” لكل منا في كيس “أبكر ارح” الصغير، حتى لا نلفت انتباه القتلة، وخرجنا نترك خلفنا العمر والذكريات، نحمل فقط ملف المستندات الثبوتية لكل أفراد العائلة، بينما كان عبد الخالق يخطو بلا هوية ورقية بعد أن فقد نسختها، فأضحى بلا تعريف سوى شهادة ميلاده التي لا يعرف لها هؤلاء الأوباش معنى أو قيمة.
■ توكلنا على خالقنا صوب آخر محطة، وبدت المسافة كأنها صحراء شاسعة جدباء خالية من البشر، حيث كان أفراد المليشيا في ذاك التوقيت غارقين في سباتهم العميق، ما بين مخمور و”مخروش”..
▪️كان هذا التوقيت مثالياً لنا للعبور، ومع دقات الخامسة صباحاً امتطينا أولى الحافلات المتجهة من الصفوة نحو سوق ليبيا، ومنذ تلك اللحظة لم تتوقف ألسنتنا عن الذكر وتلاوة آيات التحصين وأدعية الحفظ والنصر على القوم الظالمين، بينما الحافلة تشق طريقها شرقاً في صمت مهيب.
■ شقت الحافلة عباب الفجر، وتجاوزنا الارتكاز الأول بلفة مربع ١١ بالصفوة ووجدناهم يغطون في نوم عميق، وتوالت الارتكازات بلفة نيفاشا و”الطلمبة” والراجحي بسلام كان أشبه بالمعجزة،
▪️كان القتلة في غفلة عن مسيرنا، وساد الصمت داخل الحافلة، وجوه الركاب تحمل حكايا النزوح ومآسي الفقد، والجميع يترقب اللحظة التي قد تتوقف فيها العجلات بأمر بندقية غادرة، بينما تتراءى لنا ملامح الخرطوم الجريحة من خلف الزجاج، مدينة تودع أبناءها قسراً تحت وطأة البارود والظلم والمهانة.
■ حين اقتربنا من تقاطع “قندهار”، تبدل المشهد كلياً وتحول الهدوء الفجري إلى ضجيج تصنعه البنادق المسلطة على الرقاب والنفوس الوجلة، هناك تيقنت أننا دخلنا مواجهة مباشرة مع الواقع المر، حيث المليشيا تفرض سطوتها على عصب الطريق، وتتحكم في مصائر الغادين والرائحين بمزاجية القاتل.
▪️ لحظتها أبصرت حطاماً متناثراً لسيارات مهشمة وجثثاً لآمال ذبحت على أرصفة الطريق، شواهد حية على قصص رحيل لم تكتمل فصولها، ورعب يسكن في عيون المارة الذين يرقبون الموت في كل ثانية.
■ تأملت في وجوه أفراد المليشيا المتركزين في قندهار، فكانت وجوهاً غريبة عن ملامحنا، تجردت من كل وقار، عيون زائغة تعكس روحاً مشوهة بالعداء، يطوفون حول السيارات كذئاب جائعة يتحسسون بنادقهم بزهو كاذب.
▪️بينما نحن في الداخل نكتم أنفاسنا، وننظر إلى الأفق البعيد حيث الأمل في الخلاص يلوح كسراب نطارده بيقين المؤمنين، مدركين أن قندهار هي العتبة الفاصلة ونذير الشؤم الذي قد يبتلع الأحلام أو يفتح باب النجاة بشق الأنفس.
■ توقفت الحافلة تماماً عند قلب التقاطع، وتقدم أحد المسلحين بخطوات متباطئة نحو السائق، فحبس الجميع أنفاسهم، وساد سكون مطبق لم يقطعه سوى صوت محرك الحافلة الذي كان يئن تحت وطأة الانتظا. ،
▪️كان عبد الخالق بجانبي صامداً كالجبل، يخفي قلقه خلف جفن لا يرمش، بينما بدأت هنا حكاية المواجهة المباشرة مع “قندهار” وأسرارها، حيث تتبدل الأقدار وتتكشف معادن الرجال في ميزان الابتلاء العظيم..
نواصل