أخبار عاجلةمقالات

تسويق السودان للعالم

 

يُعد تغليف المنتج عملا فنيا يتطلّب مهارة إبداعية عالية للخروج بتصميم غلاف مميّز يحظى بإشادة وإعجاب مختلف الأذواق، كما يمكن إعتباره عنصر التسويق النهائي للمنتج الذي يراه العميل مباشرة قبل الشراء ويمنحه إنطباعا أوليا عن جودة المنتج وعملية تصنيعه، مع وجود منتجات منافسة.
التغليف الإبداعي هو عملية تتضمن الدمج ما بين الفن والهندسة لإنتاج أفكار تغليف جديدة أو حلول مبتكرة لتصميم غلاف منتج مميز لعلامة تجارية بعينها.
التغليف بإختصار هو تصميم قالب أو طبق تقدم عليه السلعة بشكل جاذب للمستهلك وفي عصرنا الحاضر وبما توفرت فيه من تقانات حديثة، جعلت الغلاف في جاذبيته قد يتفوق على المحتوى أو المادة المنتجة أو المضمون، يشمل ذلك السلع والخدمات.
حبى الله أرض السودان البكر بخيرات طبيعية وافرة من فوقها وفي باطنها، معدنية كانت أو زراعية،لكن الملاحظ أن قوالب عرضها وتقديمها للعميل في الأسواق المحلية أو الخارجية، قوالب تقليدية بالية تعطي إنطباعا برداءة المنتج رغم جودته في الحقيقة، إذ لا يعقل ونحن نعيش ثورة الاتصالات والمعلومات التي تعكس لنا كل جديد في العالم من حولنا، لا يعقل أنه إلى يومنا هذا نجد على سبيل المثال أن الخضروات تعبأ في صناديق من صفيح “منبعجة” الجوانب وقد ران عليها الصدأ.. لا يعقل أن تباع كثير من الأطعمة والمواد الغذائية مفروشة على الأرض على قارعة الطريق وكثير من المحصولات الزراعية الجيدة الخام معبأة داخل جوالات من “الخيش” خشن الملمس كئيب المنظر.
إنها أزمة إبداعية حقيقية، أن يعجز العقل السوداني عن إبتكار وسائل تسويقية جاذبة لمنتجاته التي إن وجدت التغليف المناسب لسيطرت على الأسواق العالمية.. لا ينبغي أن نحسب التغليف الجيد يعد ترفا.. إنه عنصر أساسي في العملية التسويقية لأي منتج او خدمة.. به تحدد الهوية والمقاييس والمعايير لمكوناته وهو ما يحتاجه المستهلك العصري عند لحظة الشراء وهذا ما يجعله يفاضل بين هذي السلعة وتلك.
دعك من أمر تغليف وتسويق السلع، حتى المورد البشري لدينا لا يسوق ويعرف بالطريقة الجاذبة، فكم من إمرء مؤهل يحمل أرفع الدرجات العلمية، لا يجد الوظيفة المناسبة له وبالتالي لا يستفاد منه وفي ذات الوقت يتقدم عليه من هو أقل شأنا منه والسبب أن الأول لم يجد تسويق نفسه، فسبقه الآخر بجرأة منه وتفنن في عرض خدماته،فالسوداني يستحي من أن يقدم نفسه وكأنما التعريف بها سبة أو منقصة أو هو أمر لا يستحقه.
تجد كثيرا من الموارد المادية والبشرية متسيدة لأسواق المنتجات أو أسواق العمل حول العالم، فقط لجودة “الغلاف” لا المحتوى، فالمظهر لم يعد من باب الكماليات ولكنه صار من الأساسيات، في خط مواز للمخبر، فالكتاب يعرف من عنوانه ولم يعد النظر للمظهر شيئا إنطباعيا، بل هو قراءة معرفة بالمحتوى،كل ذلك يدخل فيما يعرف “بالهوية البصرية” التي تميز كل منتج أو خدمة عن الآخر وذلك بتصميم العلامة التجارية المميزة وذلك لأجل خلق صورة ذهنية راسخة له في قلوب وعقول الناس، فلا يرون بعدها منتجا أفضل منه، إنها عملية إبداعية معقدة تدخل فيها جوانب عدة، نفسية وإجتماعية، بهدف إستمالة المستهلك للشراء عن قناعة بأن السلعة أو الخدمة المقدمة تلبي إحتياجاته.
انتبهت العديد من الدول لأهمية الهوية البصرية في الحزم التسويقية،فأفردت لها ميزانيات ضخمة وخصصت لها بيوتات للخبرة ومؤسسات كبرى، لا عمل لها سوى صناعة هذه الهوية البصرية بأشكالها المختلفة، سوى كانت هوية قرطاسية(ورقية) أو هوية إلكترونية(التصميمات المصورة كمقاطع الفيديو أو الجرافيك وغيره) وفي جانب البشر توجد معاهد للتدريب على “الإتيكيت” والذوق في المظهر.. هذه البيوتات تنتج فقط أفكارا إبداعية للتسوق إبتداءا من شكل الكشك الصغير انتهاءا بالأسواق الكبيرة “المولات”.. تحدد كل التفاصيل صغيرها وكبيرها..كيف يكون شكل المبنى ولونه وواجهاته وشعاره المميز “لوقو” وتقسيماته الداخلية وممراته التي يعبرها الزبون، من أين يدخل؟ ومن أين يخرج؟ وكيف يختار ما يريد؟ واين وكيف يدفع المال عند خروجه؟ وهكذا، كل شئ مرسوم بدقة.. لذلك ستجد للتسوق متعة وسلاسة في الحركة ورغبة شديدة للشراء لجاذبية العرض والشعور بالأمان والإطمئنان لجودة المنتج وعدم الغش فيه وللأسعار المعلنة عبر الديباجات المصممة بصورة واضحة وأنيقة والشعور أيضا بالحرية في الإختيار ووفق إمكانيات كل فرد وذوقه كذلك.
هكذا ينبغي أن يكون تصور المخططين وأصحاب القرار في السودان للمرحلة المقبلة.. سمها مرحلة “تسويق” السودان للعالم والتعريف به، إنسانا وترابا ووقتا والثلاثة هي نتاج الحضارة وشروط النهضة، كما ذكر المفكر “مالك بن نبي”،لتعقبها مرحلة غزو منتجاته لكل الأسواق العالمية وتسيدها عن جدارة و استحقاق..عرفوا بأنفسكم للعالم وقدموها، بكل السبل والطرائق عبر الإعلام والقنوات السياسية و الدبلوماسية.. عبر المنظمات الشعبية في الداخل والخارج..كفانا انغلاقا.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى