أخبار عاجلةمقالات

د. أماني أحمد خالدتكتب.. تحولات الحروب

دُرّة زمن
تمرّ المجتمعات التي تكتوي بنيران الحروب بتحوّلات عميقة، لا تقتصر آثارها على البنى التحتية أو الاقتصاد، بل تمتد لتطال منظومة القيم والسلوكيات التي تُشكّل وجدان الإنسان. ولم يكن السودان، في محنته الأخيرة، بمنأى عن هذه التحوّلات؛ إذ برزت ممارسات دخيلة على أصالة المجتمع، من أخطرها التعدّي على ممتلكات الآخرين، ومحاولة تبرير ذلك بأعذار واهية.
لقد عصفت ببلادنا ظروف قاسية أضعفت الأمن، وأرهقت النفوس، ووضعت القيم في اختبار حقيقي. وفي خضم هذه الفوضى، ظهرت سلوكيات لم يألفها المجتمع السوداني، تهدّد تماسكه، وتضرب في عمق أخلاقه. فقد شهدت بعض المناطق حوادث مؤلمة، أُفرغت فيها منازل من محتوياتها، وتداولت المسروقات في الأسواق، وبيعت بأثمان زهيدة تحت مسمّيات مضللة، كأنها “فرصة” أو “رزق ساقه الله”.
والأشد خطورة أن بعض الناس توهّم أن دفع مقابل – مهما كان ضئيلاً – يُضفي شرعية على هذا الفعل، محاولين إلباس الباطل ثوب الحلال. وقد كنت شاهدة على نقاشات دارت حول هذا الأمر، حيث سعى البعض لتبرير سلوكهم بذريعة الشراء، غير مدركين أن تغيير الوسيلة لا يُغيّر الحكم، وأن ما بُني على باطل فهو باطل.
إن ديننا الحنيف حسم هذه المسألة بوضوح لا لبس فيه: فالسرقة تظل سرقة، مهما تغيّرت صورها، ولا تُبيحها حرب، ولا تُسوّغها فوضى، ولا تُبرّرها حاجة. فالقيم الحقيقية لا تظهر في أوقات الرخاء، بل تتجلّى في لحظات الشدّة والانفلات.
وإن ما جرى من تعدٍّ على ممتلكات المواطنين، ثم تداول هذه المسروقات وكأنها أمر طبيعي، يستدعي وقفة صادقة وحازمة:
فالمال المسروق لا يُصبح حلالًا بالشراء، ومن يشتريه وهو يعلم، فقد شارك في الجريمة، وساهم في إضفاء شرعية زائفة على الباطل.
إن السودان اليوم أمام مفترق طرق: فإما أن ينهض بقيمه، ويُعيد بناء مجتمعه على أسس العدل والأمانة، أو يترك هذه الظواهر تنخر في جسده حتى تُفقده تماسكه. فالحروب قد تُدمّر الحجر، لكن انهيار القيم يُدمّر الإنسان ذاته.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى معالجات جادّة ومتكاملة، تتضافر فيها جهود الدولة والمجتمع:
أولًا: ترسيخ المفاهيم الصحيحة
من خلال خطاب ديني وإعلامي واضح، يُبيّن أن المال المسروق لا يُحلّ بالشراء، وأن المشاركة فيه – علمًا – تُعدّ مشاركة في الجريمة. فالقضية ليست قانونًا فحسب، بل ضميرٌ يجب إيقاظه.
ثانيًا: تفعيل مبدأ ردّ الحقوق
فلا تعافٍ حقيقي دون إعادة المظالم إلى أهلها. ويتطلّب ذلك مبادرات مجتمعية تشجّع من وقع في هذا الفعل على مراجعة نفسه، وردّ ما أخذه أو تعويض أصحابه تعويضًا عادلًا، إذ لا تكتمل التوبة إلا بردّ الحقوق.
ثالثًا: تعزيز دور الدولة وهيبة القانون
وذلك عبر تتبّع المسروقات، ومحاسبة المتورّطين، وسنّ تشريعات رادعة تحول دون تكرار هذه الممارسات، فالتهاون يفتح أبوابًا لفوضى أوسع، ويُضعف الثقة بين أفراد المجتمع.
رابعًا: ترميم النسيج الاجتماعي
من خلال مبادرات صلح مجتمعي تُعيد بناء الثقة بين الجيران، وتفتح باب العفو المشروط بالاعتراف وردّ الحقوق، حتى لا تتحوّل آثار الحرب إلى جراحٍ دائمة في جسد المجتمع.
وفي الختام، فإن أعظم ما نحتاجه اليوم هو وعيٌ أخلاقي يُعيد لكل إنسان بوصلته، فيدرك أن ما لا يرضاه لنفسه لا ينبغي أن يرضاه لغيره، وأن المال الذي يُبنى على الظلم لا بركة فيه، بل هو بذرة فساد تمتد آثارها في الدنيا قبل الآخرة.

والله من وراء القصد

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى