أخبار عاجلةمقالات

*د.خالد أحمد الحاج يكتب.. في الشأن العام*

تحبير

في ظل ظروف بالغة التعقيد تشهد منطقة كرينك بغرب دارفور صراعا نخشى ما نخشى أن يكون مهدداً للسلام، أو مقوضا لما تم التوصل إليه من إجراءات لأجل إعادة الاستقرار لعموم دارفور التي عانت من ويلات الحرب، واستغلت لأجل استمرار التفلتات الأمنية كل الوسائل الممكنة لجعل اللا استقرار مستمراً.

صحيح أن اتفاق جوبا للسلام لامس جذور الأزمة، وحاول بقدر كبير وضع حد لأسباب التباعد بين المكونات المحلية، إلا أن شعور بعض المكونات بأن دواعي العنف ما تزال موجودة، وعدم مخاطبة أسباب الغبن التاريخي، كل ذلك ساهم في تأجيج نار الفتنة، مع الوضع في الاعتبار لبعض الأجنحة التي لم توقع على الاتفاق الأخير.

ليس معنى ذلك أنها مسئولة عن الأحداث الدائرة بغرب دارفور، فالصورة ما تزال شائهة، فيما التحليل يحتاج إلى مستوى من التخيل والشمول بالأزمة وأبعادها، والربط بين هذه الأطراف مهم لتكون الصورة منطقية، وللوصف قرائن يمكن الوثوق بها حال توافقت مع ما يدور، فغالب اتجاهات التحليل تقول إن تقليب الأزمة من أوجهها المختلفة يتطلب معرفة المحلل بكافة الأبعاد والظروف التي وقعت فيها الحادثة أو الأحداث محل التحليل.

ما المطلوب من الحكومة لضمان انحسار التفلتات الأمنية ؟ فكلما استمر الوضع على هذه الشاكلة، من هشاشة في الوضع الأمني، كلما سادت الفوضى، وتطورت سيناريوهات العنف.

معاناة أهلنا بدارفور، وحاجتهم إلى السلام والتنمية المستدامة تتطلب من الحكومة وبعثة الأمم المتحدة الميسرة للسلام والتحول الديمقراطي يونيتامس التوصل إلى معالجات فورية لأسباب الصراع الذي تجدد، ولكن قبل ذلك لابد من التحرك الفوري نحو المنطقة، والعمل على مساندة المواطنين على ضبط النفس، على أن يسآءل كل من ثبت ضلوعه في إثارة الفتنة، وتأجيج نيرانها لاحقاً.

لضمان اتفاق أهل السودان على
مشروع متوافق عليه، لابد من مخاطبة جذور الأزمة، باستدعاء أسبابها، وبما للإدارة الأهلية من قدرة على التيسير، والقبول بالحلول السلمية التي تقدمها، لابد أن تضع الحكومة في حسبانها الرجوع الى هذه المكونات والاستعانة بها، باعتبار أنها أجسام تاريخية، وهناك رباط روحي وقيمي بينها والمكون السكاني بالمنطقة، ما يعالج بالعرف والجودية وتطييب الخواطر، ليس كالذي يعالج بالقانون.

المناطق المتأثرة بالحرب حاجتها إلى التنمية ليست كحاجة بقية المناطق الأخرى، ونزع فتيل الأزمة يحتاج إلى تجريب أكثر من آلية آمنة، اتجاه القوى والتنظيمات السياسية إلى تخير أطر وطنية لمعالجة الأزمة دليل عافية، وخطوة في الطريق الصحيح.

هنالك مشتركات بين الفرقاء السياسيين في المبادرات المطروحة، وهي بمثابة أرضيات ومكسبات قوة، إن استفيد منها، وبالإمكان تقليب النقاط الأخرى، لصياغة مشروع مصالحة مجمع عليه.

طي ملف الأزمة الحالية خطوة في طريق الإصلاح السياسي، وبناء الثقة المفقودة، ومن ثم التفكير بجدية فيما بعد الفترة الانتقالية، ولعلكم تلاحظون طموحات القوى السياسية، وكيف أنها تجاوزت الحواضن السياسية التي أفرزتها ثورة ديسمبر المجيدة الأولى التي تسيدت المشهد عقب سقوط الإسلاميين في أبريل ٢٠١٩م، والثانية التي نتجت عن ثورة ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م التصحيحية.

حل الأزمة بأيدي أهل المصلحة، وهم أهل الحل والعقد، إن أردنا بالفعل وضع الحصان أمام العربة، برأي أن تأخر انعقاد المؤتمر الدستوري أثر تأثيرا بالغا على منظومة الحكم، لذا فإن الحاجة إلى إطار عدلي يتوافق عليه أهل السودان، مسألة لابد من التوقف عندها، من واقع الظرف السياسي الحرج الذي تمر به البلاد، علاوة على كون الإطار الدستوري أحد ممسكات الوحدة الوطنية، بالمقدور معالجة بعض الاختلالات بالوقت الحالي، والبعض الآخر الأوفق إرجاؤه لما بعد الفترة الانتقالية، لتكون مسئولة منه الحكومة التي يأتي بها الشعب، وعليها تحمل التبعات من واقع التكليف الذي تمليه عليها تلك الظرفية.

التنوع الذي يتميز به شعبنا هو أحد مكسبات القوة، التفكير بروح الجماعة لا الأطر الحزبية الضيقة ممهد للاتفاق على كليات تعزز مستقبل وحدة الصف الوطني، وتنبه للمخاطر التي تنجم عن غياب هذه الوحدة.

على القوى السياسية تثبيت مفهوم وحدة وطنية مجمع عليها، نابعة من هذه التنظيمات والتي يقع على عاتقها تقديم رؤية كلية للحاضر السياسي، والمستقبل الذي يحتاج إلى تخطيط استراتيجي قويم، وموكل إليها في ذات الوقت عبء قيادة دفة العمل السياسي، وإعانة الدولة على تسيير دولابها دون تقاطعات، باعتبار أن البرنامج الجاري قد توافقت عليه كافة التنظيمات السياسية.

الأزمة الماثلة معقدة مافي ذلك شك، لكنها ليست بالتي لا حل لها، بحيث تجعل البعض يسمي طريقها بالمسدود، صحيح أن هناك تباعد ما بين الشارع وما عليه القوى من مواقف، علاوة على الثقة المفقودة نتيجة للطموح الحزبي الذي يتقاطع في كثير من الأحيان مع تم ويتم الترتيب له، ومن الطبيعي أن تنمو مثل هذه التقاطعات في بيئة محكومة بالتناقضات، وضبابية المواقف.

هناك حاجة ماسة لوجود مرجعيات وطنية مستقلة تلجأ لها الحكومة والتنظيمات السياسية كلما شعرت بتضاؤل فرص الحل، مرجعيات مستقلة تنزع لبلورة الأزمات، وتقليب الحلول الموضوعية التي تحفظ لهذه الكيانات حقها في التحرك بحرية لتنزيل رؤيتها على أرض الواقع، وتجعل منها في الوقت نفسه ميسرا لتمرير أجندات الديمقراطية، وتثبيت أركان مدنية الدولة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى