أخبار عاجلةمقالات

*د.محمد بشير عبادي يكتب..الإستدراج والقابلية للإستعمار.. تلكم الروح الشريرة*

كثير من الناس عند مناقشة المشكل السوداني لا يحبذون تحميل المحتل الأجنبي مسؤولية ما آلت إليه أوضاعنا في السودان إلى ماهي عليه الآن من ترد حد الإنهيار في كل أوجه الحياة وقد ألفت آذاننا ترديد عبارة (شماعة المستعمر) التي يقولون بعدم تعليق إخفاقاتنا عليها،في جلد للذات غير مبرر، بل ذهب بعضهم للإشادة بالحقب الإستعمارية وما أنجز فيها من مظاهر مدنية.
المحتل الأجنبي منذ دخول جيش “محمد علي باشا” للسودان (١٨٢٠م-١٨٨٥م) وإنتهاءا بالإحتلال البريطاني(١٨٩٨م-١٩٥٦م)،لم يجئ للسودان حبا في تقدمه ولا إنقاذا له من فوضى ، كما أوهموا الناس بذلك،لقد جاءوا لنهب الثروات كما فعلوها قبلا في حروبهم التي أطلقوا عليها زورا (الحروب الصليبية) وهي لافتة تخفي خلفها هدف رئيس هو نهب ثروات الشرق الغني فأوروبا قبل قرون مضت كانت تعيش في فقر مدقع.
قام المحتل الأجنبي بتطبيق حزم إستعمارية متعددة ليضمن نجاح مخططه في الاستحواذ على ثروات تلكم الدول المستهدفة، أهم هذه الحزم كانت عبر بذر الفتنة وبثها بين أبناء الوطن الواحد والملة الواحدة عبر ماسمي بالكشوف الجغرافية التي قام بها جواسيسهم تحت غطاء السياحة والرحلات.
كان دور هؤلاء الرحالة مزدوجا، فبجانب أنهم كانوا يدرسون المنطقة وتضاريسها وما تحمله أرضها من ثروات ظاهرة وباطنة، كانوا من جانب آخر يؤلبون الرأي العام في بلدانهم عبر نشر الكتب والمقالات التي تحفز على إحتلال الدول ونهب ثرواتها بدعوى إنتشالها من تخلفها ونشر المدنية الغربية فيها، بل ذهب بعضهم في إطار “هوس” المدنية الذي استعر أواره في أوروبا منتصف ونهايات القرن التاسع عشر، إلى التضحية بأنفسهم لأجل ذلك، كما فعل “غردون باشا” الذي بكت عليه “لندن” بالدمع الهتون ليلة سماعها بمصرعه على يد أنصار المهدي عند فتح الخرطوم”٢٦ يناير ١٨٨٥م”.
الثأر لغردون كان واحدة من أدوات تهييج الرأي العام الأوروبي لتسويق فكرة إحتلال السودان بجانب الكتب الدعائية التي أستكتب فيها بعض الأسرى الأوربيون الذين عاشوا في فترة الثورة المهدية وإبان حكم “الخليفة عبدالله”، هذا الإستكتاب الذي كان من وراءه قلم المخابرات البريطانية ولعل أشهر الكتب في هذا الإطار كان كتاب (السيف والنار) لمؤلفه “سلاطين باشا” آخر حاكم أجنبي لدارفور في العهد التركي المصري والذى أصبح فيما بعد المفتش العام لحكومة السودان البريطاني عقب الإحتلال، السيف والنار كان بمثابة تقرير حربي يصف جيش المهدية ويقدم إحصاءات لمكونات وتشكيلات الجيش وتسليحه ومواطن القوة والضعف فيه، مما ساعد “كتشنر باشا” في مهمته لقيادة حملة إحتلال السودان (١٨٩٦م-١٨٩٨م)، الجدير بالذكر أن “سلاطين باشا” كان مشرفا على تدريبات جيش المهدية أثناء فترة أسره في أم درمان بأمر الخليفة عبدالله.
التمهيد للإحتلال بما سبق ذكره من سيناريوهات، كان في إطار ما أصطلح عليه(القابلية للإستدراج) وذلك بخلق الفتن الداخلية والحصار الاقتصادي والعسكري والحرب النفسية وكثير من الأساليب التي تهئ المسرح للإحتلال، حتى يكون مقبولا للرأي العام عالميا ومحليا، يقابل ذلك حياة فطرية عفوية للحكام والمحكومين في السودان لا تعرف خبث ومكر الساسة ولا ألاعيبهم القذرة.. ذكر”يوسف ميخائيل” في مذكراته وهو أحد كتبة خليفة المهدي ومن المقربين له، ذكر أن الخليفة إستدعاه ذات ليلة وقال له: (يا ولدنا يوسف، قلت:”نعم” ، قال:أنا نسألك سؤال وتجيبني عليه، قلت له:”يا سيدي الذي نعرفه نخبر به سيدي” ، قال:يعلم الله ورسوله أنا جعلتك مثل شيخ الدين إبني، عندك في الدول أكبر أي دولة الروم أو المسكوب”يقصد بالمسكوب روسيا القيصرية” وللا الطليان وللا فرنسا وللا الحبش؟ أكبر أي دولة في هذا الدول؟، قلت له:”ياسيدي أكبر دولة المهدية”،ضحك وقال”أي الخليفة”:المهدية أنا عارفها بل نسألك عن الدول غيرا) اه.. لاحظوا عفوية السائل والمسؤول ولاحظوا البساطة في مناقشة أمر جلل وهو مواجهة حملة إحتلال السودان والتي تم الإعداد لها منذ سنوات وتم تقاسم الأدوار فيها مابين مجلسي النواب والوزراء البريطانيين والمندوب السامي البريطاني في القاهرة وكل مصر الخديوية.. (الدنيا هناك قايمة وقاعدة)، والخليفة في مجلسه داخل منزله لا علم له بقوة هذي الدولة ولا تلك ولا علم له بالمؤامرات التي كانت تحاك لإحتلال بلاده وسلب ملكه.. في هذا الحوار الذي تم وحملة “كتشنر” تدق أبواب أم درمان، كان قادة المهدية في حيرة من أمرهم، هل يرفعون الراية الفرنسية على تخوم البلاد رمزا للدخول تحت حمايتها وتجنبا لمصادمة الحملة البريطانيةالزاحفة بقوة نحو أم درمان، أم خوض المعركة الفاصلة والتي كانت هي الخيار الحاسم.
بعد الإحتلال كانت سياسة الاخضاع عبر وسائل قمعية بدأت بالحروب غير المتكافئة والتي كانت أشبه بالإبادة الجماعية إن لم تكن إبادة كاملة الأركان وذلك كما حدث في معركة “كورتي” عند دخول الأتراك السودان (٤ نوفمبر ١٨٢٠م)،التي أستشهد فيها “بين ٦٠٠ إلى ٨٠٠ شهيد” من أصل “٢٥٠٠” من فرسان قبيلة الشايقية..أو كما حدث في معركة كرري(٢سبتمبر ١٨٩٨م) والتي أستشهد فيها “١٢ ألف شهيد” وفي روايات أخرى “عشرين ألف شهيد” (في ضحوة).. واستمرت السياسة القمعية في مجابهة أي ثورة لمعارضة المحتل، بل حتى في أساليب التربية والتعليم داخل المؤسسات التعليمية التي أنشأها المحتل لتخرج كوادر عاملة تساعدهم في إدارة الدولة وفق فكرهم ومنهجهم الإستعماري، فطلاب “كلية غردون التذكارية” بمستوياتها المختلفة، كانوا يعانون من غطرسة معلمي وإداريي الكلية الإنجليز وملاحقاتهم للطلاب في كل صغيرة وكبيرة.
في جانب آخر نجد المحتل قد قام بإنزال مظاهر المدنية بتشجيع اللهو بأنواعه، فكانت الأندية الليلية والمراقص حتى بيوت الشرب التقليدية (الإندايات)، وضعوا لها نظاما وقننوا عملها بجانب بيوت البغاء، كل ذلك حتى يغربوا المجتمع ويبعدوه عن عقائده وكريم عاداته، أما الدين فقد سجنوه في المساجد وشجعوا على ذلك في سياسة ظاهرها التسامح الديني وفي باطنها وقف حراك الإسلام داخل المجتمع، كما فعلوا بفصل طبقة(الأفندية) عن مجتمعهم حتى لا يحدث تفاعل إيجابي بينهم وأهليهم وإنما خلقوا هوة وفصام حد القطيعة بين صفوة المجتمع وعامته.
محصلة ذلك كله كانت ما عرف ب(القابليةللإستعمار) وهي عملية الخضوع الكامل للمحتل، كخضوع الرجل المنوم مغنطيسيا لمنومه، فإن قال له قم سيقوم وإن قال له إجلس سيجلس.. هي فقدان لإرادة النهوض والشعور بالنقص والدونية والإنهزامية في أسوأ صورها.
هذا ما يفسر إنقياد كل أهل السودان ل”خمسمائة” رجل أجنبي فقط، جاءوا من وراء البحار غزاة بخيلهم وخيلائهم وعلى يدهم إنهارت الدولة المهدية وبواسطتهم تم إدارة السودان بمساحته الشاسعة وقبائله المتعددة.
هذه القابلية التي أدت إلى الخضوع هي التي تجعلنا اليوم لا نملك تفكيرا جمعيا إيجابيا لنهضة البلاد وهي التي تجعلنا لا نحس بانتماء لبلادنا، هي التي تجعل الولاءات الضيقة مقدمة على مصلحة البلاد، والأنانية تعلو على الإيثار، بل جعلت البعض منا يؤثر المحتل على الوطني… روح المحتل لم تخرج من أرضنا بعد، إستقلالنا يتم بطرد هذه “الروح الشريرة” .. حتى ذلكم الحين،علينا ألا نوهم أنفسنا بإستقلال، لم نسمع به إلا في الأغاني.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى