د. محمد بشير عبادي يكتب.. السودان..إنجاز تكنولوجي يستحق الإحتفاء

كثير من المنجزات السودانية الكبرى لا تجد حظها من الترويج الإعلامي لإبراز أهميتها محليا ودوليا،فالسودان بموارده البشرية المتمثلة في إنسانه المتحضر الذي يرتكز على إرث حضاري ممتد في عمقه لآلاف السنين ومؤسسات تعليمية عريقة منذ ما قبل الإحتلال الأجنبي للبلاد،سواء أن كان غزو “محمد علي باشا” في (1821م) أو الإحتلال البريطاني في (1898م)،فقد كانت “سلطنة سنار” تهتم بالعلم والعلماء وفي عهدها شهدت البلاد إزدهارا كبيرا في الحركة العلمية،هذا الإرث الباذخ جعل السودان رائدا في مجالات عدة،أبرزها المساهمة في تأسيس التجمعات والكيانات والإتحادات الإقليمية والدولية..السودان من المؤسسين للإتحاد الأفريقي ولإتحاد الاذاعات العربية والإتحاد الأفريقي لكرة القدم ومن أوائل الدول العربية والأفريقية التي انضمت إلى منظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية وغيرها الكثير.
أذكر في أواخر تسعينيات القرن المنصرم وكنت وقتها أعمل في إدارة الأخبار في تلفزيون السودان،أذكر أنه قد بث خبرا عن قضاء السودان على وباء “الملاريا” في إطار مشروع وطني لدحرها،تم بث هذا الخبر مختصرا في النشرة المحلية وقد طغت عليه الأخبار السياسية دون أن يهتم بقيمته أحد وفي ذات الوقت كان للتلفزيون قسما للتبادل الإخباري عبر إتحاد الاذاعات العربية يرسل عبره حقيبة راتبة لأخبار السودان كان خبر الملاريا هذا من ضمنها،لم تمر فترة وجيزة من إرساله إلا وأغلب الوكالات الدولية والقنوات الفضائية تلقفت الخبر وأعادت بثه إستشعارا منها بأهميته.
أقول قولي هذا وأنا أطالع اليوم خبرا عن توقيع السودان للإتفاقية المنشئة للمنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الإصطناعي (World Artificial Intelligence Cooperation Organization) والتي تعرف إختصارا ب (WAICO) وذلك في العاصمة الصينية بكين، ليكون السودان من المؤسسين للمنظمة البالغ عددهم (35) دولة وهي أول منظمة دولية متخصصة في تعزيز التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي.
تهدف المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الإصطناعي إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال تطوير الحوكمة العالمية وسد الفجوة الرقمية،بالتركيز على ضمان إستخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي بشكل آمن وعادل، ودعم الدول النامية للاستفادة من هذه التكنولوجيا لتحقيق التنمية المستدامة،كما تشجع المنظمة على الشراكات والإبتكار عبر بناء شبكة تعاون قوية بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث لتسريع وتيرة الإبتكار وتبادل المعرفة وتعمل على مشاركة الموارد والأبحاث من خلال توفير منصة عالمية لتعزيز البحث العلمي وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات المتعلقة بتطوير الذكاء الاصطناعي وتوجيهه نحو حلول عملية تخدم التنمية الإقتصادية والإجتماعية وتدعم تقدم المجتمعات.
تعتبر هذه المبادرة خطوة مهمة نحو تعددية قطبية في إدارة وتطوير الذكاء الاصطناعي وكسر الاحتكار التكنولوجي الغربي الذي يمتلك البنية التحتية الأساسية،مثل تصميم وتصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الإصطناعي ولكن ربما يستغرق أمر كسر الإحتكار وقتا طويلا،فلربما تواجه المنظمة الناشئة سباقاً محتدماً مع تحالفات غربية مقابلة مثل الشراكة العالمية “Global Partnership on Artificial Intelligence”،المعروفة إختصارًا ب”GPAI” والتي أُطلقت رسمياً في يونيو 2020م وتعمل تحت مظلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التابعة للدول الغربية والسبع الكبار (G7) وتُعد منصة عالمية ومرجعًا دوليًا لأبرز القضايا المتعلقة بالذكاء الإصطناعي وتتبنى تعزيز الثقة في إستخداماته.
إن توقيع السودان على الإتفاقية المنشئة للمنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الإصطناعي يضعه في مصاف الدولة المتقدمة في هذا المجال وهو بالتأكيد إنجاز يستحق الإشادة والإحتفاء به والذي قامت به وزارة الإتصالات والتحول الرقمي والتي أنجزت مؤخرا مشروعات رقمية مهمة أبرزها (منصة بلدنا) للمعاملات الحكومية والهوية الرقمية الوطنية (SUDAPASS) التي تهدف لنقل مفهوم الهوية من النظام الورقي التقليدي إلى الرقمي لتمكين المواطنين من الوصول السريع والموثوق للخدمات ومن أبرز إنجازات الوزارة،إنشاء (الهيئة السودانية للأمن السيبراني) التي أُطلقت لتعزيز إستقرار الخدمات الحيوية بالدولة وتطوير الأطر الوطنية لحماية فضاء الإنترنت في السودان.
كل تلك الإنجازات الصخمة تمت بصمت وبمجهود جبار في ظل ظروف غاية الصعوبة والتعقيد بسبب الحرب المدمرة التي تشهدها البلاد وحتى الحرب نفسها صارت تكنولوجية،لذلك التحول الرقمي أصبح فرضا لا نافلة،في الحرب أو السلم،لذلك لابد من المواكبة والتطور،فإن عجلة الحياة لا تكف عن الدوران ومن يقف سيتخلف.