أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. الكهرباء في السودان..أزمة إدارة

 

 

يعيش السودان هذه الأيام أسوأ أزمة للكهرباء بعد الحريق الذي نشب بمحطة التوليد في سد مروي مؤخرا،إضافة لتوقف عديد المحطات بسبب التدمير الذي طالها إبان فترة الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م.

 

عرف السودان الكهرباء في العام (1908م) وهو رابع أقدم دولة عربية دخلتها الكهرباء،سبقته مصر (1889م)،ثم الجزائر(1895م) وقبله مباشرة سوريا(1907م)،حيث قامت حينها سلطات الإحتلال البريطاني بتركيب أول مولد كهربائي بمنطقة “بري” في العاصمة الخرطوم بطاقة إنتاجية بلغت (100 كيلو واط)، بهدف إمداد المصالح والمنازل الحكومية بالكهرباء،ثم تأسست شركة النور والطاقة (The Sudan Light and Power Company) عام (1925م) كشراكة برأسمال أجنبي بموجب تعاقد مع الحكم الثنائي لمدة( 30 عاماً)، لتتولى تطوير وتقديم خدمات الكهرباء والمياه والمواصلات وفي عام (1952م)، اشترت حكومة السودان جميع أسهم الشركة.

 

تحولت شركة “النور والطاقة” إلى عدة مسميات حكومية متتالية بعد إنهاء امتيازها،إبتداءا بمسمى “الإدارة المركزية للكهرباء والمياه”، ثم “الهيئة المركزية للكهرباء والمياه”، ثم الهيئة القومية للكهرباء وفي عام (2010م)، بعدها تم حل الهيئة القومية للكهرباء وتقسيمها إلى عدة شركات قابضة ومملوكة للدولة تتبع حالياً لوزارة الطاقة والنفط، أبرزها الشركة القابضة لكهرباء السودان والشركة السودانية لتوزيع الكهرباء المحدودة وهي المسؤولة عن التشغيل المباشر وإمداد المستهلكين،إضافة لشركة التوليد المائي وشركة التوليد الحراري.

 

تبلغ القدرة المركبة لإنتاج الكهرباء في السودان حوالي (4.02 جيجاواط)، ولكن بسبب تداعيات الحرب، انخفض الإنتاج الفعلي إلى ما بين (1200 و 1500 ميجاواط) فقط،يتم توليدها عبر الطاقة الكهرومائية،التي تساهم بنحو النصف (أبرزها سد مروي بقدرة 1250 ميجاواط)،يليه (سد الروصيرص)،ثم سد (سيتيت) في شرق السودان، ويبلغ إجمالي طاقته( 320 ميجاواط)،أما (خزان سنار) على النيل الأزرق،فهو أقدم السدود (شُيد في عام 1925م)، ويُستخدم للري وتوليد الكهرباء،ثم خزان (خشم القربة) على نهر عطبرة ويولد طاقة كهربائية إلى جانب أهدافه الزراعية وأخيرا (خزان جبل أولياء) على النيل الأبيض ويُستخدم بشكل رئيس للري وتوليد الكهرباء.

 

تُشكل المحطات الحرارية ركيزة أساسية في الشبكة القومية للكهرباء بالسودان، حيث تعمل بالوقود وتتوزع جغرافياً لتغطية الأحمال وتعتمد البلاد بشكل رئيس على ثلاث محطات حرارية كبرى تعمل كإضافة للتوليد الكهرومائي،أهمها محطة (أمدباكر الحرارية) في ولاية النيل الأبيض وتبلغ سعتها المركبة (500 ميجاواط) وتعد الأكبر من نوعها،تليها (محطة الجيلي الحرارية) شمال مدينة الخرطوم بحري وتبلغ قدرتها التصميمية حوالي (420 إلى 460 ميجاواط)،ثم محطة الشهيد محمود شريف (بحري الحرارية) في الخرطوم بحري وتبلغ قدرتها الإنتاجية القصوى (480 ميجاواط)، وتتنوع بين التوليد البخاري والغازي،ثم نجد محطة (قري الحرارية) وتعمل بأنظمة الإحتراق وتُسهم في تغطية أجزاء واسعة من الشبكة وتنتشر أيضاً محطات توليد حرارية أصغر تعمل بالديزل في مختلف الولايات لضمان استقرار الشبكة وتغذية المناطق المعزولة، مثل محطات عطبرة ووادي مدني.

 

رغم إمكانيات السودان المهولة من مصادر مياه ورياح وطاقة شمسية والتي يمكن أن تجعل منه دولة مكتفية من الطاقة الكهربية،بل ومصدرة لدول الجوار ورغم عراقة مؤسسات الكهرباء في السودان كونه رابع دولة عربية عرفت الكهرباء منذ بدايات القرن العشرين،رغم كل ذلك وللمفارقة نجده اليوم يعاني من أزمة حادة في توليد وتوزيع الكهرباء،هذه الأزمة ليست وليدة الحرب وإنما سبقتها بسنوات،السبب الرئيس في ذلك هو سوء الادارة المتمثلة في الإحتكار الحكومي للتوليد والتوزيع وعدم ترشيدها وإستغلالها لمصادر الطاقة غير المائية المتوفرة في السودان،فالدول الرائدة كآيسلندا والدنمارك والصين تقدم نماذج ناجحة في حل أزمة الطاقة عبر التحول الاستراتيجي وتنويع مصادر التوليد بإعتمادها على مزيج من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية والهيدروجين، إلى جانب رفع كفاءة الاستهلاك للوصول إلى الحياد المناخي،بتبنيها لإستراتيجيات عملية شاملة ومتنوعة،فالدنمارك كنموذج عالمي للتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة،فإن طاقة الرياح تساهم بأكثر من نصف إجمالي الطاقة المولدة في البلاد وقامت الدولة بدعم مشاريع طاقة الرياح المجتمعية واللامركزية لأكثر من (50)عاماً وتستهدف الإعتماد الكامل على مصادر متجددة بنسبة 100% لتوليد الطاقة بحلول عام (2030م)،أما الصين فإنها تتصدر إنتاج الطاقة المتجددة على مستوى العالم بقدرات هائلة تتجاوز مئات الجيجاواط،إذ تقود التصنيع العالمي للألواح الشمسية وتوربينات الرياح، مما ساهم في خفض تكاليفها وتقوم بإستثمار مليارات الدولارات في تحديث شبكات نقل الكهرباء لتقليل الهدر والاستيعاب الكامل للإنتاج المتجدد،أما نموذج آيسلندا في توليد الكهرباء فيعد فريدا من نوعه إذ تعتمد في توليد كهربائها بشكل أساسي على الطاقة الكهرومائية (حوالي 70-80%) والطاقة الحرارية الأرضية (حوالي 20-30%) مستغلة الينابيع الساخنة الطبيعية لتوليد الكهرباء.

 

إن كسر إحتكار حكومة السودان لتوليد وتوزيع الكهرباء وإعتماد مصادر متنوعة ومتجددة للتوليد يعد حلا جذريا لمشكلة الكهرباء القديمة الجديدة،هذا بجانب التحديث في تقنيات النقل والتوصيل للكهرباء،اذ لا يعقل أن تكون الإمدادات بشكلها التقليدي القديم الذي قوامه الأعمدة الخرصانية والمعدنية التي عفى عليها الزمن،فالعالم منذ أمد اتجه نحو التوصيل عبر الكوابل الأرضية لانها الأكثر أمانا بتقليل الحوادث الناتجة عن انهيار الأعمدة والابراج خلال مواسم الرياح والأمطار،كما توفر عزلا يمنع التشويش مع شبكات الإتصالات وغيرها وهي أقل كلفة وذات مظهر جمالي في المدن والحواضر.

 

إن أزمة الكهرباء في السودان تحتاج لدراسة وافية من كافة أبعادها إداريا وفنيا وتشريعيا،مع إستصحاب تجارب الدول الرائدة في توليد وتوزيع الكهرباء،ليحتل السودان مكانه الطليعي كدولة عريقة في هذا المجال،فالكهرباء عصب الدولة الحديثة والمحرك الأساسي للتقدم وهي لا غنى عنها في إدارة حياتنا المعاصرة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى