أخبار عاجلةمقالات

*د.محمد بشير عبادي يكتب..تعايشوا لتعيشوا*

 

يذكر الصحابة رضوان الله عليهم، أن أول عمل مادي محسوس، وفعل ملموس قام به النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله للمدينة المنورة هو بناء المسجد، ليكون مسجد قباء هو أول ما فعله عند وصوله إلى المدينة المنورة.
لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم، ووجد الأنصار في انتظاره، رجالهم ونسائهم وأطفالهم، يملأون الشوارع، وفوق البيوت على الأسطح تكلم فيهم صلى الله عليه وسلم وقال ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَفْشُوا السَّلَامَ ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ )، أي انشروا السلام بينكم، وأطعموا الفقير والمحتاج وأقيموا صلاة الليل، حتى تكونوا من أهل الجنة السالمين.
ومما سبق يتبين أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم أول ما كان في المدينة المنورة عبارة عن وصايا لهم بما فيه خيرهم، جمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين الذوق وحسن الخلق، بإلقاء السلام وعدم الإهمال في ذلك لكونه يؤلف بين القلوب، ثم كان ثاني ما أمر به هو الوصية بالجائع والجائع هنا فقير أو مسافر، أو عابر سبيل، فلا أشد على الناس من الجوع، لذلك فقد جعلها صلى الله عليه وسلم كلمة “أطعموا” الطعام عامة تشمل الإطعام ولا تختص بالصدقة والفقير وحده، لربما تعفف شخص عن إظهار فقره وحاجته وهو يتضور جوعا،فكان إطعام الطعام أمر مراعاة لمن يتعفف عن إظهار حاله،خاصة أن المهاجرين دخلوا أغراب للمدينة ومنهم من يحتاج للطعام، ولن يمد يده بالطلب.
أما قيام الليل فهو وصية لما فيه خير من تلك العبادة ومن الإلتزام بالقيام بها، فهي صلة بين العبد وربه وقد أقرنها بالناس نيام، لما فيها من مجاهدة للنفس ومشقة، ثم أظهر الجزاء لمن قام بذلك وهي دخول الجنة ولم يكتفي بدخول الجنة فقط، بل زاد عليها بسلام وكلمة “السلام” تعني الأمن من كل شر.
في يوم 12 من رمضان بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة كان ثاني عمل يقوم به، بعد بناء المسجد هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وهذه المؤاخاة أخص من الأخوة العامة بين المؤمنين جميعاً وذلك لأنها أعطت للمتآخيين الحق في التوارث دون أن يكون بينهما صلة من قرابة أو رحم، كما في قوله تعالى: (وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا)، [النساء، 33].
بهذا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أسس وثيقة هي الأولى من نوعها في وضع أسس التعايش السلمي الإجتماعي، فالمهاجرين والأنصار جاءوا من قبائل شتى ومواقع متنوعة وملل مختلفة، جمعت بينهم عقيدة واحدة وفرت لهم الأمان من الخوف بإفشاء السلام ووفرت لهم الأمان الإقتصادي، بإطعام الطعام وزادت عليها بعدا آخر وهو الصلاة والناس نيام وذلك لربط نشاط الأرض بالسماء إحتسابا و(تأصيلا)، أي أن عماد التعايش الإنساني هنا روحي سماوي وليس مادي فقط ينتهي بزوال المادة.
إن مفهوم التعايش الإجتماعي من منظور حداثي هو، فن إدارة المجتمعات وفرصة لإقامة السلم الاجتماعي بين الجماعات في مجتمعات التنوع الديني والطائفي والقومي ومنع نشوب الصراعات(من الممكن العيش سويا رغم تبايناتنا) ، وعكس هذا يمكن أن يؤدي الصراع بين الجماعات إلى قيام حرب أهلية ،قد تصل إلى حد تقسيم الدولة الواحدة، بل تفتيتها لعدة دويلات، كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق، فقد تفككت الدولة لأن مبدأ التعايش بنى على نظرية قوامها الإقتصاد (النظرية الشيوعية) وعندما إنهار عماد الاقتصاد وفشلت النظرية بعد أكثر من ستة عقود إنهارت الدولة الكبرى، ذات الشئ حدث لدولة الخلافة العثمانية عندما حولها “كمال أتاتورك” إلى دولة قطرية علمانية بحجة تطويرها إقتصاديا ونهضتها، فتقزمت تركيا وورثت الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا العظمى وقتها التركة العثمانية والتي شملت إمبراطورية إمتدت من أفريقيا غربا حتى شرق آسيا وشمالا حتى أوروبا، ذات الشئ متوقع حدوثه لأمريكا لأن مبدأ التعايش فيها بني أيضا على عماد إقتصادي (النظرية الرأسمالية) وهي الوجه الآخر المقابل للإشتراكية.
تقاطر الناس من كل فجاج الأرض ويمموا وجههم شطر أمريكا تسبقهم أحلامهم بالعيش الرغيد، فكانت هجرات الأفارقة طوعا أو كرها وكذا العرب والآسيويين وكافة النحل، الآن يشكو مواطنو أمريكا من إرتفاع أسعار السلع الضرورية ويئنون من وطأة الشركات الرأسمالية وما تفعله من إحتكار وما تقوم به من إستغلال لمنسوبيها مقابل أجور لا تلبي حاجاتهم الحياتية الضرورية وهذا ما ظهر في تظاهرات “وول استريت” ومايظهر هذه الأيام على وسائط الإعلام من شكاوى مرة لسوء الأحوال الإقتصادية، مما دفع بإحدى السيدات الأمريكيات لنشر مقطع للفيديو تقول فيه أنها تصرف على وقود سيارتها كامل ما تأخذه أجرا من مخدمها، أي أن ارتفاع أسعار الوقود يجعلها وكأنها تعمل بالمجان لدى مخدمها، أي تعاسة هذه؟!! .. وهكذا تنهار الرأسمالية بالتدرج لينهار التعايش الإجتماعي هناك، فلا توجد مصلحة تجعل الناس في رباط، طالما إنتفى سبب وجودهم في مكان واحد.
في السودان كانت هناك تجربتان فريدتان، هما تجربة “السلطنة الزرقاء” وتجربة “الدولة المهدية” ، فالأولى دولة إسلامية بنيت على تحالف قبلي أساسه الإسلام وهو مشابه لما حدث في دولة المدينة، أناس من مشارب شتى جمعت بينهم عقيدة واحدة فكانت الدولة الموحدة التي جمعت شتات القبائل السودانية، لم تنهار هذه الدولة إلا بعدما انتكست بفعل الفتن والاقتتال القبلي، فعادت إلى المربع الأول (مربع القبيلة)، فكان تفكيكها وهزيمتها بواسطة جيش “محمد علي باشا” ، ذات الشئ حدث للدولة الثانية (المهدية) مع الاختلاف في أن الدولة المهدية لم تتأسس على حلف قبلي محدد، بل تقدمت علي السلطنة الزرقاء وذوبت هيكل القبيلة وان احتفظت براياتها(قادتها) كوحدات قتالية مستنفرة للجهاد ولكن كان الكل (أنصار الدين).. ذات الانتكاسة حدثت لها في عهد “الخليفة عبدالله” الذي ربما إضطرته الأحوال السياسية وخلافه المشهور مع (الأشراف) إلى الإحتماء بالقبيلة مما أعاد سيناريو الإقتتال القبلي وتضعضع مبدأ التعايش الذي أرساه الإمام المهدي، فكانت الهزيمة على يد الغازي المحتل “كتشنر” الذي سهلت مهمته بما كان قائما من تناقضات حادثة بين قبائل السودان من جهة وجيش الخليفة من جهة أخرى، أدت لخلخلة الدولة من الداخل ومن ثم كانت نهاية الدولة المهدية.
ذات الشئ نخشاه اليوم بانفراط عقد التعايش بين السودانيين، ببروز كيانات تدعو للرجوع إلى القبيلة، هذا في إعتقادي أمر خطير لن يفتت السودان لدويلات فحسب وإنما لمجموعة قبائل والسودان به مئات القبائل، صحيح أن بعضها ينضوي تحت لواء قبيلة كبرى ولكن هذا الوضع نفسه يمكن أن يخلق مشكلة كبرى تتمثل في التنافس على زعامة القبيلة الواحدة دعك من التعايش مع بقية المكونات القبلية الأخرى.
لا حل لأهل السودان سوى القبول بعضهم لبعضا، فما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، حيث توجد علاقات بينونية تتمثل في التصاهر وبينية تتمثل في التكافل والمصالح المشتركة وقبل ذلك كله عقيدة التوحيد، يحتاج الأمر فقط لتفعيل البعد الإقتصادي متمثلا في مشاريع تشاركية تجعل من كل ولاية لها مصلحة مع ولاية أخرى كالمشاريع الزراعية التي تربط بين ولايتين أو طريق برى أو سكة حديد تربط أكثر من ولاية مع بعضها البعض، إن مثل هكذا مشاريع بينية يمكن أن تنهض بالبلاد وتجعل كل ولاية تمد الأخرى بما يفيض لديها من إنتاج فتصبح المنافع متبادلة وتنتفي أسباب الغبن بعدم وجود تنمية متوازنة، ليصبح الجميع متعايشين رغم التباينات الظاهرة.. تعايش عماده روحي لا ينهار وليس مادي فحسب ينتهي بزوال المادة.. (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها إختلف)، كما ورد في صحيح مسلم، ممارواه أبو هريرة رضي الله عنه…هو تعايش يفرضه الواقع و العبرة من تجارب الذين سبقونا.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى