أخبار عاجلةمقالات

*د.محمد بشير عبادي يكتب..حتى لا تهلك القرية*

 

يعيش السودان هذه الأيام حراكا سياسيا ومجتمعيا محمودا طال إنتظاره،فقد أثارت (مبادرة نداء أهل السودان) التي أطلقها “الشيخ الطيب الجد” البركة الساكنة للفعل المجتمعي، الذي عطل ردحا من الزمان بسبب الحالة الثورية التي يعيشها السودان والتي شغلت الجميع في الداخل والخارج، فمنذ إندلاع ثورة ديسمبر والبلاد تعيش في حالة ثورية ملتهبة، معها لم يجد الساسة فرصة لإلتقاط أنفاسهم اللاهثة أثناءها،ليتدبروا أمر البلاد على المدى المتوسط والطويل،حتى المشاكل العاجلة في الأمن ومعاش الناس، لم تجد الحلول الناجعة والناجزة لسرعة إيقاع الحالة الثورية، لذا فقد حان الوقت الذي يجب أن يبرز فيه دور الحكماء والعلماء خارج أطر السياسة بواجهاتها التقليدية من أحزاب وحركات وكيانات وناشطين…
إن إطلاق هذه المبادرة في هذا التوقيت والبلاد تشهد أقصى درجة من السيولة الأمنية والنزاعات السياسية، مما يهدد بإنهيار أركان الدولة، إن مجرد إطلاقها يعتبر حدا فاصلا بين الحالة الثورية بإندفاعها وسخونة أحداثها وبين نقطة الإنطلاق لبناء الدولة السودانية المستقرة الناهضة، فلكل مقام مقال ولكل أوان رجال وبمثلما نهض رجال ضد الظلم والفساد واسقطوا النظام السابق، فقد آن الأوان لينهض آخرين ليرسوا دعائم الوفاق وليهيئوا المسرح للمرحلة القادمة بحكمة وروية وسعة صدر، قد لا تتوفر للسابقين.
هذه المرحلة الحساسة المفصلية والتي ربما تكون فيها الدولة السودانية أو لا تكون، لا بد أن يتقدم علماء الأمة والزعماء الشعبيين الذين تثق فيهم الغالبية، بما لديهم من صفات وكاريزما إكتسبوها من البيئات النقية التي عاشوا فيها والتي لم تعكرها ملوثات السياسة بألاعيبها وأحابيلها.
تحكي كتب السيرة والتاريخ الإسلامي أن دولة الإسلام قد قامت على أسس متينة، فالإسلام إهتم بأمر الشورى في حياة الفرد والجماعة، إذ إن الإنسان بطبعه مضطر للتواصل مع الآخرين والأمور العامة لا تدار إلا بالرأي والتعاون مع كل أهل تخصص وفن، يستشارون في محيط عملهم، فإذا اجتمعت تلك الآراء خرج منها رأي سديد، يضمن الإستمرار ويبعد الفوضوية والاضطراب والهزاهز وكل ما من شأنه أن يقوض طمأنينة المجتمع.
ولنا في الرسول عليه صلوات الله وسلامه، أسوة حسنة وذلك بتطبيقه مبدأ الشورى في أسمى معانيها، والوقائع الكثيرة من سيرته الطاهرة شاهدة على ذلك، فقد كان صلى الله عليه وسلم كثير التشاور لأصحابه في مختلف جوانب الحياة، فكان يستشيرهم في السلم والحرب، بل وكان يستشيرهم في بعض الأمور الخاصة مثل حادثة الإفك.
و من نماذج مشاوراته صلى الله عليه وسلم، مشاورته، للأنصار في بدر قائلا: «أشيروا عليَّ أيها الناس» فشاورهم في إختيار المكان الذي نزل فيه المسلمون يوم بدر وأخذ بمشورة الحباب بن المنذر وشاورهم بعد إنتهاء المعركة في مصير أسرى بدر، كما شاور النبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه يوم أحد بين المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما لبس لامته وعزم، قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم وقال: لا ينبغي لنبي لبس لامته فيضعها حتى يحكم الله وشاور عليه الصلاة والسلام السعدين، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، رضي الله عنهما يوم الخندق، فأشارا عليه بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل إنصرافهم عنها، فأخذ برأيهما وحينما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودته من صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة أن يرسل رسائل إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، قيل له: يا رسول الله إن الملوك لا يقرؤون كتابا إلا مختوما، فاتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم خاتما من فضة، وختم به الكتب، كما شاور عليا وأسامة بن زيد رضي الله عنهما، فيما رمى به أهل الإفك عائشة رضي الله عنها، فسمع منهما حتى نزل القرآن الكريم فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، وإنما حكم بما أمره الله واستشار في عقوبة المنافقين الذين آذوه في أهله فقال: «ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي».. وهكذا كان نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يتخذ الشورى مبدأ أصيلا عند الإقدام على أي عمل، فلا فلاح في شأن عام أو خاص إلا بها، قال تعالى:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [الآية159، آل عمران].
وفي التاريخ الحديث، عندما دقت خيول التتار أبواب مصر وهددت بإقتحامها بعد إنتصاراتهم السريعة في أغلب مدن وحصون الدولة الإسلامية، لجأ القائد “سيف الدين قطز” إلى العلماء، بما أملاه عليه ضميره وورعه، أفتى له العالم “العز بن عبد السلام”، بعدم جواز أخذ ضريبة عن الشعب لتجهيز جيش المسلمين لصد التتار ، إلا بعد أن يخرج الأمراء ما عندهم من أموالهم وأموال نسائهم وجواريهم، كان قطز أول من نفذ الفتوى على نفسه ثم طبقها على بقية الأمراء بالقوة، فبسط العدل وأزال كل مرارة وغصة علقت بحلق مظلوم، فكان الإستنفار العام والتعبئة بروح معنوية عالية من جميع أفراد الشعب، فتحقق النصر في معركة “عين جالوت” وكانت هزيمة التتار المهولة.
“محمد علي باشا” باني نهضة مصر لما تدن له الدولة ولم يوطد حكمه، إلا بمؤازرة العلماء، فلولا وقفة الزعيم “عمر مكرم” معه وهو الزعيم الشعبي المحبوب، لما كان خلع “خورشيد باشا” وتوليته مكانه.. عمر مكرم نقيب الأشراف خريج الأزهر الذي ثار على الفرنسيين وتأتمر بأمره الجماهير المصرية العريضة، لم يكن محمد علي باشا يقدم على أمر في بداية حكمه إلا بمشورته وتوجيهه.
كان للعلماء الدور البارز والمؤثر في فترة حكم  السلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور، حيث أقاموا رواق السنارية في الأزهر الشريف لإستيعاب طلاب العلم المبتعثين إلى  هناك وشجعوا هجرة علماء الدين الإسلامي إلى السودان للدعوة ونشر العلم وكذلك ابتنوا الأوقاف في الأراضي المقدسة وكان سلاطين دارفور يقربون إليهم العلماء ويحتفون بهم.
وقد لعب العلماء دورا كبيرا في إقناع الأهالي بالحكم التركي المصري في السودان،بما بثوه من رسائل بإسلامية العهد الجديد، كما كان لهم دور بارز في التعليم والقضاء وإدارة شؤون الدولة.
وعندما قامت الثورة المهدية، نجد أن أول خطوة خطاها الإمام محمد أحمد المهدي، قبل الشروع في جهاده ضد المستعمر، أن خاطب علماء السودان وأنبأهم بدعوته، فوجد العون من أكثرهم، ليس بعلمهم وفقههم فقط، بل بسيوفهم، كما فعل “الشيخ العبيد ود بدر” جد “الشيخ الطيب الجد” صاحب المبادرة، فالشيخ العبيد من أبكار من نصروا الثورة المهدية، بما عرف عنه من حكمة ودربة في الشأن العام، فقد صانع “غردون باشا” تقية ولم يظهر نيته وتوجهه ناحية الثورة المهدية، بأن أطلق مقولته المشهورة:(كان مهدي جيد لينا وكان ما مهدي شن لينا)، عبارة تظهر الحياد وفي الباطن مكاتبات وتفاهمات مع الإمام المهدي أسفرت عن حصار محكم على الخرطوم قاده العبيد ود بدر وأبنائه ومريديه شمال وشرق وجنوب الخرطوم، خاضوا خلاله معارك طاحنة في الحلفايا وأم ضوا بان والعيلفون والمسلمية، إنتهت هذه المعارك بفتح الخرطوم على يد الإمام المهدي في (٢٦ يناير ١٨٨٥م).
لم يقتصر دور العلماء في الدولة المهدية في فترة الثورة فقط، بل تعداه إلى مرحلة الدولة في عهد الخليفة عبد الله خليفة المهدي، فقد كان لهم مجلسهم للفتيا والقضاء، بل منهم من تولى عمالات ومنهم من تولى أمر بيت المال.
وفي فترة الحكم الثنائي(١٨٩٨م-١٩٥٦م) كان للشيوخ والعلماء القدح المعلى في الحفاظ على تماسك المجتمع السوداني والمحافظة على قيمه وهويته، فكان المعهد العلمي والتعليم الأهلي ونادي الخريجين والجمعية الأدبية، بل الحزبان الكبيران (الأمة والوطني الإتحادي) كانا يمثلان بيوتات دينية(الأنصار والختمية) ومعروف تاريخيا دورهما في إستقلال السودان.
آن الأوان أن يتقدم أكابر الأمة من مشائخ وعلماء، فقد أبلى الشباب بلاءا حسنا وقدموا المهج والأرواح رخيصة فداءا للتغيير الذي حدث، حتى لا تذهب هذه التضحيات سدى وحتى لا يتقدم الصفوف الأصاغر، مستغلين حالة الفراغ القيمي التي خلفتها الحالة الثورية، فالطبيعة لا تقبل الفراغ.. حتى في الدول الغربية يوجد مجالس للشيوخ واللوردات، بل حتى حروبهم القديمة والحديثة أتت بمباركة وتشجيع من بابواتهم وقسستهم ورهبانهم،فليس بدعا أن يتقدم رجل في قامة الشيخ الطيب الجد العالم والفقيه صاحب المسيد الذي لم تخمد نار القرآن فيه لقرابة القرنين من الزمان، هذا المسيد الطاهر الذي تؤمه الآلاف المؤلفة من طلاب العلم والمريدين، يجدون فيه غذاء الروح بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، كما يجدون فيه غذاء الجسد من مأكل ومشرب وملبس.
إن حكاما يعملون بشورى العلماء لن يخذلوا أبدا وإن محكومين يقدمون حكمائهم لن يضاموا أبدا والشواهد من حولنا كثيرة، فنهضة الدول لاتكون إلا بالعلم والعلماء ولم تهلك دولة أو تنهار حضارة على مر التاريخ إلا بعد أن تصدر الأمر فيها شرارها، قال تعالى (إِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَٰهَا تَدْمِيرًا) [الآية 16،الإسراء]، صدق الله العظيم.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى