أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. عصر المهارات..الواقع الجديد

 

عندما تتقدم اليوم بطلب لوظيفة ما ومنذ مرحلة تعبئة إستمارة التقديم إنتهاءا بالمقابلة مع صاحب العمل،فإن أول سؤال سيوجه إليك بعد البيانات الأساسية هو ما المهارات التي تجيدها؟ وأهم المهارات التي سيتم سؤالك عنها،هي مهارة إستخدام الذكاء الإصطناعي في مجالك وكذلك تعاملك مع إدارة مواقع التواصل الإجتماعي،بجانب تمكنك من الحاسوب،ثم تأتي بعد ذلك اللغات إنتهاءا بقيادة السيارات وهذه المهارة الأخيرة يجب ألا يستهان بها فكثير من الأعمال في يومنا هذا تتطلب المعرفة بقيادة السيارات وقد صارت من الشروط الرئيسة في قبول المتقدمين لشغل كثير من الوظائف،ما ذكرته هو الجانب التقني من المهارات.

هناك مهارات أخرى غير التقنية وهي المهارات الإنسانية أو (الناعمة) وهي المهارات البشرية التي لا يمكن للذكاء الإصطناعي ولا الآلات من تعويضها والتي تتمثل في التفكير النقدي الذي يمكن من حل المشكلات بتحليل التحديات المعقدة وإبتكار حلول عملية لها تكون غير مألوفة (خارج الصندوق) ومن المهارات الإنسانية المطلوبة أيضا في سوق العمل،مهارة (الذكاء العاطفي) وهو القدرة على التواصل وبناء الثقة وإدارة فرق العمل بنجاح،بجانب مهارة المرونة والقدرة على التكيف والإستعداد لتعلم أشياء جديدة والتأقلم مع التغيرات السريعة في بيئة العمل لتطوير مسارك المهني بنجاح.

إن بيئة العمل الحالية تتطلب دمجاً بين المهارات التقنية والإنسانية فهي تكمل بعضها بعضا ولا ينبغي التركيز على واحدة فقط على حساب الأخرى،فنحن يا سادتي في عصر المهارات، حيث لم تعد الشهادات الجامعية وحدها كافية لضمان البقاء والتميز في سوق العمل مع التطور السريع والتغير التكنولوجي، أصبح التعلم المستمر وإعادة صقل المهارات ضرورة وجودية مع إن العلم هو الأساس،فهو نسق منهجي من المعرفة القائمة على الملاحظة والتجربة والإستدلال ويهدف إلى فهم الظواهر الطبيعية والكونية وتفسيرها من خلال وضع فرضيات قابلة للإختبار وتحويل البيانات إلى نظريات وقوانين دقيقة يمكن التنبوء بنتائجها والمهارة هي سلوك متعلم ومكتسب يُطوّر بالتدريب والممارسة المستمرة لأداء المهام وحل المشكلات ببراعة،ببساطة فإن المهارة تمكنك من التطبيق العملي للإطار النظري الذي يوفره العلم بمناهجه المتعددة،فالمهارة دون علم هي أداء عملي يفتقر إلى الفهم العميق لأصوله ومبادئه،بعبارة أخرى هي “القدرة على الفعل” دون إدراك وذلك بسبب أن الماهر بالشئ قد يتقن التنفيذ بالممارسة ولكنه يعجز عن التعامل مع المشكلات غير المتوقعة و إبتكار حلول جديدة.

إن الممارسة العملية وتطبيق النظريات على أرض الواقع هي دعوة ربانية،فالإسلام دين عمل وسعي وتطبيق على أرض الواقع وليس مجرد نظريات أو شعارات والعبادات فيه مقترنة بالمقاصد والإيمان لا يكتمل إلا إذا صدّقه العمل،إن القاعدة القرآنية الأساسية هي أن العمل هو معيار التفاضل والنجاة،قال الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39] ورغم أن سياقها القرآني في سورة النجم يتحدث بشكل أساسي عن الآخرة، أي أن ما يقدمه الإنسان في دنياه من خير أو شر هو ما سيجده مدخراً في ميزانه يوم الحساب،حيث جاء في الآية التي تليها: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ) [سورة النجم: 40] كما ورد في تفسير إبن كثير،إلا أن مآلات الناس في الآخرة هو مما كسبت أيديهم في الدنيا ويدخل هذا الكسب في جميع مناحي الحياة في المعاملات جميعها،فالدنيا هي المعبر للدار الآخرة.

الدعوة موجهة لشباب اليوم خاصة، أن تسلحوا بالعلم والتعمق في مصادره الأصيلة ولا تغرنكم الرسائل المجتزأة والمبتسرة على وسائل التواصل الإجتماعي بأنها المعرفة الحقيقية،حتى لا تصابوا بتوهم المعرفة فتعرضوا عن العلم الحقيقي وبالمقابل لا تكتفوا بالشهادات الأكاديمية وتستعلوا على تعلم المهارات أو الكسل من التعلم المستمر حتى لا يكثر التعطل عن العمل في أوساطكم وتكثر الشكايا والتذمر جراء ذلك ومن ثم الوصول لمرحلة الإحباط المؤدية لنهايات وخيمة،لأن سوق العمل اليوم يتطلب منتجا فاعلا يحسب إنتاجه كميا ونوعيا ومامدى فائدته للموسسة التي يعمل فيها وما تكسبه من وراء توظيفها له.

إن العلم يمنحك البصيرة والمعرفة،بينما المهارة تمنحك القدرة على التنفيذ والإنجاز ومن الفطنة والذكاء المواءمة بينهما،فإنك ساعتها ستتمكن من تحويل النظريات المجردة إلى نتائج ملموسة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى