أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. لا للإقصاء

 

في سبعينيات القرن المنصرم ونحن أطفال حيث الشقاوة البريئة،كنا نتحلق حول المذياع مندهشين،كيف تسنى للمغنيين والممثلين دخول هذه الصندوق العجيب؟(كانت الراديوهات ذات أحجام كبيرة مصنوعة من مواد خشبية وبلاستيكية متينة)،ففي مدينتا الوادعة “مدينة القطينة” التي تنتشر فيها الأندية الرياضية والثقافية،كنا نشاهد عروض الفرق المسرحية التي تأتي من الخرطوم وكذلك نشاهد حفلات المغنيين خاصة كبار الفنانين،كنا نشاهدهم على مسارح الأندية وكنا نظن حسب خيالنا أنه ربما تمت عملية ضغط (pressure) لهؤلاء القوم ليتمكنوا من الدخول لجوف هذا المذياع.

ذكرت هذه المقدمة وفي خاطري عمل درامي كان يستهوينا ويثير شغفنا خاصة شعار مقدمته ،رغم أننا لم نكن نستوعب المضمون بحواره الذي كان يتم بلغة أهل البادية،إنه مسلسل “الهمباتة” الذي كان يذاع عبر أثير الإذاعة السودانية (هنا أمدرمان) وهو من تأليف البروفيسور الراحل “قريب محمد راجع” بمشاركة المؤلف الدرامي “أمين محمد أحمد”، بينما برز فيه بالأداء الصوتي المميز الممثل القدير “حاكم سلمان” الذي اشتهر بترديد أشعار الهمباتة وقد رسخت في وجداننا عبارة (ناكل حارة ما ناكل باردة) وهي عبارة مشهورة تأتي ضمن “مجادعة” شعرية تعبر عن شجاعة فرسان الهمباتة، “الطيب ود ضحوية” و”طه الضرير”، في مواجهة المخاطر والمعارك الشرسة وتجسد إختيارهم لخوض المعارك والمخاطرة، بدلاً من انتظار الحصول على الغنائم بسهولة وهو ما أصطلح عليه اليوم  ب(الركون لمنطقة الراحة)،الطريف في الأمر أننا كنا نترجمها حرفيا بإزدراد الطعام ساخنا دلالة على الرجولة وقوة التحمل ففي جيلنا كان الأطفال يوضع لهم الطعام مع بعضهم البعض ومواقيت الوجبات نفسها كانت مبكرة عن مواعيد وجبات الكبار،فكنا نتبارى في إلتقام الأكل ساخنا.

بالعودة لمصطلح الركون لمنطقة الراحة أو المنطقة الباردة الذي دعت مجادعة الهمباتة لمفارقتها،فهو يعني الاستسلام لحالة نفسية وسلوكية يلتزم فيها الإنسان بروتين يومي مألوف، لتجنب أي ضغط أو مخاطرة ورغم أنه يوفر أماناً زائداً واستقراراً مؤقتاً، إلا أن الركون لمنطقة الراحة يقتل الطموح ويؤدي إلى الركود وفقدان الشغف وكلما طالت فترة الركون، زاد الخوف من الإقدام على أي خطوة جديدة في الحياة المهنية أو الشخصية مما يجعل الإنسان يقف عند محطة محددة من حياته ولا يتقدم، ذات الشئ يحدث للمجتمعات،فتجد إنسان الريف والبوادي والصحاري،البعيد عن حياة المدن الوادعة، تجده أكثر تصميماً على النجاح وتحقيق أهدافه في بيئات تنافسية،لذلك تجد منهم نوابغ في مجالات شتى بفضل “عقيلة الكفاح” الناتجة عن التحديات،فصعوبات الحياة عندهم وشظف العيش تصقل لديهم الانضباط العالي والقدرة على التكيف مع الموارد المحدودة والدافع القوي لإثبات الذات.

وهناك جانب آخر فسيولوجي ونفسي في ذات الوقت يدفع الإنسان،بل الكائنات الحية عامة للبحث عن سبل العيش بكافة الوسائل،إنها (غريزة البقاء) أو غريزة الحياة أو الحفاظ على الذات،فهي الدافع الفطري الأساسي لتجنب المخاطر وإدارة استجابات جسدية لا إرادية مثل “القتال أو الهروب” لضمان استمرار الحياة وأيضا “الجوع والعطش”،يدفعان الكائن الحي للبحث عن الغذاء والماء لضمان الإستمرار والنمو،أما البعد النفسي فيرى علماء النفس، مثل “سيجموند فرويد”، (أن غريزة الحياة تصارع الغرائز الأخرى لضمان استمرار الوجود الإنساني وتوجيه السلوك البشري).

برغم إيجابية عقلية الكفاح تعززها غريزة البقاء في تحقيق الأهداف وعدم الركون للدعة، إلا أن هناك خطورة تكمن  في استمراريتهما في العصر الحديث، حيث تتسبب “استجابة القتال أو الهروب” في إفراز هرمونات التوتر مثل “الكورتيزول” و”الأدرينالين”،مما يؤدي بقاء الجسم في وضع الطوارئ هذا لفترات طويلة إلى عواقب صحية ونفسية وخيمة،لذلك من عايش فترات الحروب يحتاج لإعادة تأهيل نفسي، إن لم يخضع لمعالجات وتدخل طبي حتى تتم عملية إعادة تطبيعه للحياة المدنية بتخفيض مستويات التوتر حتى لا ينغص على الأسوياء حياتهم أثناء تعايشهم معه على مستوى الأسرة أو المجتمع الكبير،هذا جانب،الجانب الآخر فإن عقلية الكفاح رغم أن من يمتلكها من سكان الريف وهو  ليس بالضرورة أن يكون قد عاش حياة قتال وحروب ولكن الحرمان من رفاهية المدن ربما يجعله يحس بغبن أو ما يسمى ب”الحقد الطبقى” وهو ما نشأت بسببه حركات تمرد عسكرية وجماعات سياسية بذريعة ما يسمى بصراع (المركز والهامش) وهو صراع مصنوع متوهم لا يستند لأسباب موضوعية عقلانية،إذ لم يدعو لإدارة عقد إجتماعي بتنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم المطلقة لصالح الدولة،بل دعا للصراع لأجل إقصاء ما أسماه إنسان المركز، لذلك لم تتوقف النزاعات بسبب هذه الدعوة السلبية التي تكرس للتنافر بين مكونات المجتمع ريفه وحضره،لا للتكامل والتعايش فيما بينها.

إن إدارة العقد الإجتماعي تتطلب قيادة ملهمة تنصت لمطالب المجتمع وتبني علاقات بينية بإتصال فعال وشفافية وتوظف الموارد بشرية كانت أو مادية توظيفا مثاليًا وتبسط العدل دون تمييز لفئة أو مجموعة على حساب الأخرى،فتنوع البشر بخيرهم وشرهم واختلاف طبائعهم ومشاربهم هي حكمة ربانية لأجل الابتلاء والإختبار لإظهار المعادن،فالتنوع البشري يضع الإنسان في محك الإختيار الدائم بين إتباع الفطرة السوية (الخير) أو الانقياد للشهوات (الشر) ولولا وجود الخير والشر لما تميز الصادق من الكاذب، ولا الصابر من الجزوع،قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]،فالتوازن فطرة الله في أرضه وهو حقيقة كونية عظيمة تتجلى في كل تفاصيل الحياة، حيث خلق الله سبحانه وتعالى الكون بنظام دقيق لا يعرف الصدفة، ليعمل كل جزء فيه بتناغم تام يحفظ استمراريته ويمنع فساده وكل الخلق عباد الله كافرهم ومؤمنهم تجمعهم الإنسانية وكما وضح علماء الإسلام كإبن تيمية وإبن القيم،بأن هناك عبودية عامة (عبودية القهر والملك) وفيها خضوع جميع المخلوقات في السماوات والأرض لقدرة الله تعالى، وتصرفه فيها بمحض مشيئته فهي تشمل جميع الخلق،المؤمن والكافر والبر والفاجر والجمادات والحيوانات، فلا يستطيع أي كائن الخروج عن قضاء الله وقدره،لقوله تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] وهناك عبودية خاصة (عبودية الطاعة والمحبة) وهي عبادة العبد لربه باختياره وإرادته، القائمة على محبة الله وتعظيمه، والإنقياد لأوامره واجتناب نواهيه وهي خاصة بالمؤمنين المطيعين الذين يستجيبون لشرع الله وكلما زاد العبد في طاعته ومحبته لله، زادت درجة عبوديته،لقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63].

لذلك الإستبعاد أو الإقصاء ليسا حلا لأي أزمة سواء أن كان في العمل، أو العلاقات، أو المجتمع،بل يؤدي الإقصاء إلى تفاقم الخلافات، بينما الحوار ومعالجة الأسباب الجذرية للمشاكل والقضايا هي الحلول المستدامة دائماً وفي الحديث النبوي الشريف (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)،أي أن الله سبحانه وتعالى قدّر مصائر العباد ويسّر لكل إنسان طريقا ومهمة في الحياة، سواء في أمور الدين والآخرة أو في مواهب وقدرات الدنيا فمنهم الميسّر للعلم ومنهم الميسّر للتجارة، أو الزراعة، أو العمل الخيري وهذا الاختلاف هو ما تقوم به عمارة الأرض والحياة،لذلك القيادة الملهمة الرشيدة تستصحب هذه المعاني في إدارة الدولة ليكون التنوع والإختلاف في البيئات وأهداف وغايات الأفراد والمجتمعات وطرائق تحقيقها لديهم،ليكون سبيا في النهضة لا العكس بتحوله لصراعات تهدم أعتى الحضارات وتهدر أغنى الثروات،فتدافع الناس يخلق حركة في الحياة ولولاه لتوقفت عجلة الإصلاح،هذا التدافع يمنع طغيان جانب على الآخر، قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251].

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى