د.محمد بشير عبادي يكتب..نأكل مما نزرع أو نكون “فردوسا مفقودا”

إحدى المآخذ الرئيسة التي كانت تحسب على الإمام الراحل الصادق المهدي عليه رحمة الله، أنه كان يسهب في أحاديثه السياسية ويكثر من التفاصيل والتشبيهات وسرد الأمثال الشعبية، حتى لقبه بعض الساخرين ب”أبوكلام السندكالي” وقد اشتهرت صحيفة” ألوان” في ثمانينيات القرن المنصرم، بشن حملات صحفية راتبة على “أبوكلام”،لدرجة أنها كانت تفرد صفحات كاملة لإنتقاد أداء الصادق المهدي رئيس الوزراء وقتها، بأسلوب ساخر شمل ألوانا من القوالب الصحفية، كالمقال والعمود الصحفي ورسوم الكاريكاتير، التي لم تخل رسمة فيها من صورة “مايكروفون” كرمزية لكثرة كلام السيد الإمام، بل كان البيان الأول للعميد وقتها عمر حسن أحمد البشير في إنقلابه المشهور”30 يونيو 1989م” والذى يحاكم عليه هذه الأيام ، كان البيان يتضمن فقرة كاملة تتحدث عن، إضاعة رئيس الوزراء لوقت الدولة الثمين في كثرة الكلام مع تفاقم الأزمات في جميع أوجه الحياة وقتها، فكأنما أراد البشير في بيانه الأول أن يقول، كان الأولى بذاك الزمن المهدر أن يكون في قضاء حوائج الناس.. الشاهد أن ذات البشير خاصة في أخريات أيام حكمه، بدد وقت البلاد في كثرة المخاطبات الجماهيرية، بل وميزانية الدولة كذلك بالصرف على تحشيد الناس.
في تقديري أن ما أتي به السيد الصادق المهدي أو المشير البشير “كثرة الكلام”، لم يكن بدعا في العمل السياسي في السودان، فقد سبقهم كبار وقدامى الساسة السودانيين من لدن قادة ثورة اللواء الأبيض (1924م)، إنتهاءا بإستقلال السودان (1956م)،فالعهود الوطنية المتعاقبة.. هي آفة قديمة.. الملاحظ أن اغلب الساسة كانوا قانونيين أو تربويين، بل منهم الأدباء والشعراء، أمثال: الزعيم إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد المحجوب ومبارك زروق وغيرهم كثر.. كانوا متحدثين مفوهين وكانوا يملكون نواصي الكلم بتعليمهم الرفيع وثقافتهم العالية وإطلاعهم الواسع.
لكن سادتي، ماهي محصلة ذلك كله اليوم؟.. الكل يشاهد الآن ما يمر به السودان من عدم إستقرار سياسي واقتصادي وأمني وأزمات في كل المناحي، قد تعصف بدولة السودان وتحيلها لخراب، تصبح فيه”فردوسا مفقودا”، ساعتها لن تفيدها “صحوة” ولن يكون “السودان للسودانيين” ولن نجد بين ايدينا سودانا قديما ولا “سودانا جديدا”.. سيكون السودان أول دولة ضحية ل”كثرة الكلام”.. دون عمل دون إنتاج ودون تطبيق للنظريات والشعارات التي يطلقها الساسة، بل والتكنوقراط والتنفيذيين كذلك.
لقد سئمنا كثرة المؤتمرات والندوات والورش والمحاضرات والمليونيات والمظاهرات كذلك، فكلها كلام في كلام وشعارات وهتافات، صحيح يسبق التطبيق العملي دوما هامش نظري ولكن أن يكون همنا الإطار النظري دون التطبيق، هنا تكمن العلة وهنا سبب الفشل.. لم تتقدم الدول إلا بتطبيق النظريات في السياسة والقانون والاقتصاد وكافة جوانب الحياة..مهما وضعت من لوائح وقوانين وأساليب عمل، مالم تنفذ عبر آليات ضابطة، بشرية كانت أو تقنية، تظل حبرا على ورق ولن يعمل بها الناس طالما لن ينالهم منها ثواب أو عقاب.. خذ مثالا، إن لم تضع برنامجا إلكترونيا أو تطبيقا، يضبط حضور ومغادرة الموظف أو العامل في مؤسسة ما، بل وتحدد له ربطا وهدفا محددا لإنتاجه مقابل راتبه الشهري وفعلت المكافآت والجزاءات مقابل ذلك، لن تكون المؤسسة رابحة ولن تتطور.. معنى ذلك سادتي أن الإنضباط في كل مؤسسة لن يتأتي بإصدار النشرات المكتوبة والموجهات واللوائح التي تنشر في لوحات الإعلانات، الإنضباط يأتي بإنشاء أنظمة إدارية إلكترونية أو بشرية او الإثنين معا، حتى يسير العامل على الخط المرسوم له وحتى يحقق الإنتاجية المطلوبة في دقة وسلاسة.
أهدر وقت غال وضاع زمن ثمين على أهل السودان ومسؤولينا لا هم لهم سوى “الكلام”، ما بين مؤتمر صحفي وندوة ولقاء جماهيري، لأجل الاستعراض تحت الاضواء الكاشفة..بلادنا خيراتها وفيرة وثرواتها هائلة، لا تحتاج لكلام نظري يحيلها لدولة متقدمة في “الأحلام” والقصائد الشعرية والحكاوي الشعبية، بلادنا تحتاج لتطبيقات عملية في كل الأوجه، زراعة كانت أو صناعة او تعدين.. تحتاج لأساليب إدارية محكمة ضابطة للعمل.. لا تقل لي الأمر يحتاج لوعي ونشر ثقافة وووو.. بهكذا سنظل في ذات الدوامة من الفشل.. ذات السودانيين أنفسهم، عندما يعملون في الخارج ترتفع كفاءتهم الإنتاجية وتجدهم من أميز العاملين في تلكم الدولة والسبب، أن السوداني وجد بيئة مهيأة للعمل، فيها ضبط عالي وأنظمة عمل واضحة وأهداف محددة وبالتالي حوافز مجزية وعقاب صارم عند التقصير، كل ذلك يتم إلكترونيا وبإشراف بشري صارم لا يجامل أو يتهاون أو يحابي ، لذلك تقدمت دول كثيرة بأيدي سودانية، بل ساهم السودانيون في تأسيس دول عند بداية نهضتها وذات السوداني بلاده تمضي نحو التخلف بسرعة حد الإنهيار “باب النجار مخلع”.
في كل يوم تطالعنا المواقع الإخبارية بتصريحات المسؤولين ، حتى الكاميرات عند التغطيات الإخبارية لا تتبع الا المسؤول دون عرض أي منجز، كأنما الحديث او التصريح هو الغاية وهو الهدف المنجز.. لتنهض بلادنا، لابد من إعلاء قيمة العمل والإنتاج وتطبيق الحزم العملية لذلك والاستفادة من تقانة العصر في وضع الأنظمة الإدارية الضابطة إلكترونيا وبشريا، نحن في زمان واقعي متجذر المادية، لا مكان فيه ل”منظراتي” أو “حكواتي” أو “مثقفاتي”..نحن في زمان “نأكل مما نزرع” واقعا معاشا لا شعارا يتغنى به.