أخبار عاجلةمقالات

*عبدالقادر دقاش يكتب ..حسادة السودانيين!*

*لا* تخلو شعوب الأرض من حسد..فالحسد سمة ملازمة للبشر.لذلك يقول القرآن: “ومن شر حاسد إذا حسد”. ولا يخلو (كذلك) أي بيت سوداني من بخور أم التيمان والكمون الأسود أولوحات معلقة فيها بعض سور القرآن تمنع الحسد المتراكم والمتراكب، وممارسة الطقوس الموروثة من الأسلاف الكوشيين في الأعراس والختان والولادة مثل عادات الجرتق والبخور ولبس بعض الأحجار الكريمة وغير الكريمة منعا للحسد. ويذهبون لتلطيخ البيوت الجديدة والعربات الفارهة بالدماء والعربات “نص العمر” تشد لها البليلة، كل ذلك منعا للحسد وللحاسدين.. ويعترضون أحاديث غيرهم في شأن كل جديد أو جميل يخصهم، قائلين: (أنت حاسد ولا بغران) ويقصد بالبغر الغيرة. والغيرة فوران نفس إنسان لما وهب الله غيره وهي حالة قد تدفع المرء للتنافس وهو أمر محمود. أما الحسد فهو تمنى آخر أن يسلبك الله ما منحك، وهذا فيه ضير كبير.
جاء في مذكرات منصور خالد، حاكيا عن حسد السودانيين ” وقد روي عن عبد الله الطيب والعهدة على الرواي، قوله أن بين العرب اثنتي عشرة قبيلة اشتهرت بالحسد سبعا منهن ارتحلن إلى السودان”. كما يروى عن إبراهيم منعم منصور قوله، على لسان والده: إن الخواجات المستعمرين لحظوا هذه الخصلة عند السودانيين (من أهل السياسة) وهم يدسون لبعضهم البعض في التقارير التي كانت ترد الخواجات. ويقال أن الرئيس جعفر نميري قال، إنه يحكم عشرين مليون حاسد.
ويرى منصور خالد أن ظاهرة الحسد تتسم أحيانا باللاعقلانية، لأنها تشمل حسد الفقير المدقع لذي مال أربى ماله بالكد والاجتهاد لا باستغلال الآخرين، أو حسد أكاديمي “نص كم”، لآخر نبغ في مجاله بتفرغه للبحث والدراسة، أو حسد رسام أو نحات لا يجيد صنعته لآخر ذاعت سيرته في لاآفاق واكتسب شهرته لتجويده الرسم والنحت أو حسد مغن يصدق عليه القول “إن أنكر الأصوات لصوت الحمير” لآخر فتن الناس بغنائه لما منحه الله من صوت رخيم.
أما في المجال الرياضي الذي تتطلب فيه الروح الرياضة المتسمة بالسماحة والمرونة، فقد استبان أحد الكتاب أن كثيرا من قراء الصحف الرياضية يميلون للكتابات التي تشوبها المهاترات والمطاعنات والملاسنات الحادة التي يجب إلا تعجب أي شخص سوي مهما كان متعصبا لفريقه، ورأى أن السودانيين يميلون لمثل هذه الكتابات ذات الاتهامات والعبارات الجارحة لأنهم يجدون فيها متنفسا لمشاعرهم العدائية، وكرههم لبعضهم بعضا..حتى يقول بعضهم لمشجعي الفريق المنافس لو فريقكم لعب مع إسرائيل لشجعت إسرائيل وهذا منتهى العداء!
ويبدو أن كثيرين من الكتاب والاكاديميين والسياسيين والمبدعين والرياضيين والتجار والصناع وربات البيوت والمحبين الذين غنى لهم محمد الأمين (يا حاسدين غرامنا..يا قاصدين خصامنا)، طرحوا السؤال: هل نحن فعلا شعب حاسد؟ وقد أشار زهير السراج في كتابات كثيرة لظاهرة الحسد بعد رصده لظاهرة آلاء صلاح البنت التي لفتت أنظار العالم عندما وقفت على عربة في ميدان الاعتصام وألقت قصيدة لـ “أزهري محمد علي”..هذه البنت ألهمت الكثيرين من الشباب السوداني لكن عندما اتيحت لها فرصة التحدث أمام مجلس الأمن قابلها الكثيرون منهم بالسخرية والسخط والشتم بدلا من أن يصفقوا لها ويشجعوها..لأنهم ببساطة يرون أن هناك من هم أكفأ وأحق بالحديث منها!
ألا أن الحسد قد يكون عبارة عن فوبيا يصاب بها كثير من الناس، فبعض الطلاب الفاشلين يظنون أنهم موضع حسد من غيرهم، وبعض الموظفين الكسالى يرون أن مرؤسيهم يحسدونهم لذلك لم ينالوا ترقية، وبعض الفتيات اللاتي لا ينظرن إلى ما حباهن الله من نِعم يحسدن غيرهن من الفتيات اللاتي حظين بأزواج وأولاد..وكثير من الذين دخلوا مجالات الإبداع الفني وهم عاطلون عن المواهب يرمون الموهوبين بكل سوء. وينطبق ذلك على التجار من بائع البصل في الأزقة إلى رجال الأعمال الكبار وسيدات الأعمال الكبيرات.. وأبسط ما يمكن أن يقال عن تاجر ناجح ولامع وكريم ومعطاء، أنه كان عتالي في سوق البصل..وجا من البلد ما عنده حق كيس التنباك، وهلمجرا…!

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى