*عبدالقادر دقاش يكتب..حكاية الودَّاعية*

تحاول (سامية) جاهدة طرد الخواطر المزعجة التي تهتاجها أمها كلما رأتها متوشحة بثوبها الأبيض كاللبن الصافي، ومتأبطة كراريسها وكتبها وشنطتها ومتجهة إلى مدرسة أنقولا الأساسية في غرب أم درمان. تندفع الأم تودع سامية بأدعية كثيرة بعضها مأثور و بعضها مسجوع ومصحوب بأسماء الصالحين، يجري على لسانها كيفما اتفق وهي تنفخ عليها شيء من دخان بخور أم التيمان الذي يتصاعد بكثافة في البيت في كل صباح لفك العوارض، ومن ضمنها عارض سامية، الذي بدأ يخطف منها سنين النضار..
تخرج سامية كل يوم في كامل أناقتها ونقاوتها من بيتهم الكائن جوار المحكمة مقابل جامع الخليفة، تتلوي في الأزقة في محاولة يائسة للمحافظة على ثوبها الأبيض الناصع من الأتربة والغبار والمياه المخلوطة ببقايا الأطعمة وأكياس البلاستيك، حتى تصل إلى ميدان البوستة لتستغل الهايس إلى سوق ليبيا، ومن ثم تتلوى بين عربات الكارو و الباعة وأكوام الطماطم والعجور و تتخطى سوق الأخوان، الذين يبدأون في نفض وتصنيف ملابس “المرحوم قدرك” وتسويتها بأيديهم قبل أن تزكم أنفها رائحة أم بكلسات التي يبدأ إعدادها في أول الصباح، حتى تصل إلى مواصلات أنقولا في سوق (أب زيد) حيث يتحول ثوبها من لون اللبن الصافي إلى اللبن المخلوط بالشاي الأحمر الثقيل.
قبل أن تستغل بص أنقولا تنظر إلى (الودَّاعية) التي تأتي باكرا حتى تحجز لها مساحة كافية من الساحة التي ستحتلها حتى منتصف النهار جماعات أنصار السنة وأنصار الشيخ أب زيد وبائعات الشاي وأم جنقر وعرق النسا والحبة السوداء والقورو ومبيض الأسنان..تطل ابتسامة لطيفة على أطراف ثغرها وهي تتذكر أول يوم دراسي لها في مدرسة أنقولا الأساسية، وأول رحلة لها من قلب أم درمان إلى أقصى طرفها الغربي..عندما مرت من أمام هذه الوداعية وعيناها مصوبتان تجاه بص أبو رجيلة المتهالك الذي قيل لها أنه سيذهب إلى أنقولا، وكادت أن تطأ بقدميها (الودعات) التي نثرتها الوداعية من أول الصباح بحثا على رزقها في حظوظ الناس.. دفعتها الوداعية بكامل قوتها من أمام الودعات..محذرة: لو فجختي الوحيد دا عارضك ما بتفك..ابتسمت سامية في وجه الوداعية، وتدافعت كلمات أمها عن العوارض إلى خاطرها لكنها طردتها كما تفعل كل مرة، فهي وبحكم تكوينها العلمي وكسبها الثقافي لا تؤمن بالعوارض، فهي حاصلة على درجة البكلاريوس في التربية ونالت عددا من الدورات التدريبية في علم النفس والرسم والتلوين وحفظت أجزاء من القرآن الكريم في خلوة الشيخ الغرقان وهذا تأهيل كاف يمنع الانزلاق في خرافات وأوهام الفوكيه والوداعيات.. ومن ذلك اليوم وطوال العام الدراسي تمر (سامية) بذات الشوراع والأزقة الملتوية وبذات الناس، و (الوداعية) التي لا تفارق الابتسامة وجهها الذي ينظر في حظوظ الناس..تداعبها الوداعية: يا بتي خيرتك عندي..تعالي أشوف ليك الخَيْرَة..تبتسم تنظر إلى الودع المتناثر على الأرض..والذي تجمعه في يدها ما إن يجلس أحد أمامها ثم تنثره أمامه وتقرأ له ما في جوف الودع..
في مدرسة أنقولا الابتدائية كانت (سامية) تميل وتستلطف أستاذ حسين الذي يدرس الإنسان والكون، وحسين، يقر في أعماق نفسه أن شقاء الإنسان يبدأ من الحب..ويظن كما تظن سامية أن هناك عوارض في حياته فقد تخرج في كلية القانون، لكنه لم ينجح في امتحان ممارسة المهنة جرب الامتحان مرات عديدة، لكن باءت كل محاولاته بالفشل، التي عدها زملاؤه ست أو سبع محاولات…أستاذ حسين متمكن من مادة اللغة الإنجليزية لكنه اختار تدريس مادة الإنسان والكون، لا أحد يدري لماذا..هو نفسه لا يدري لماذا اختار هذه المادة بالذات دون غيرها..لكنه أسر ل(سامية) ذات مرة، أن اسم المادة في حد ذاته مدعاة للتأمل والتبصر..وأضاف في قوله لو أنه اختار اسم هذه المادة لسماها الكون والإنسان، وسأل سامية : من يحوي من؟ الكون يحوي الإنسان أم الإنسان يحوي الكون!..ضحكت وقالت: الكون هو الذي يحوي الإنسان (طبعا)..ابتسم في وجهها مظهرا أسنانه الصفراء، وقال: كلا بل، الإنسان هو الذي يحوي الكون! ألم تسمعي قول مولانا الرومي: أنت لست قطرة في محيط، بل أنت المحيط في قطرة. تبسمت ضاحكة، فهي كثيرا ما تسمعه يقول مثل هذه الخطرفات، ويتحدث في الدين والسياسة وظلم الإنسان لأخيه الإنسان..وهي بطبعها لا تميل إلى الحجاج والمغالطات.. ولا تحب الخوض في السياسة، لكنها مجبرة للاستماع لزملائها ومجاملتهم إن اقتضى الأمر..
ماذا يخفي الودع في جوفه، أملا خفيا لا يعرف ولا يكشف. مر هذا الخاطر برأسها لم تحاول طرده هذه المرة..ابتسمت في وجه الوداعية..وجلست أمامها، بداءة الحياة خير من التكوين العلمي، كادت تضحك بصوت عال.. رمت الوداعية ودعاتها أطالت النظر فيها، ثم أجالت النظر في وجه سامية، وأشارت إلى الودعات، كانت ثلاث ودعات اثنتان متجاورتان وواحدة بعيدة..أشارت الوداعية إلى الودعة البعيدة ..وقالت، الوحيد دا متحمدك..داير ياخدك..إلا الاثنين ديل عوارض..
في طريقها إلى المدرسة كانت تتذكر كلمات الوداعية، الوحيد دا متحمدك..تضحك في سرها، تثوب إلى رشدها وتقول: كذب المنجمون ولو صدقوا.. طردت الخواطر..وأعادت الابتسامة إلى وجهها وهي تدخل إلى مكتب المعلمين: كان أستاذ حسين جالسا على كرسي في طرف المكتب، وأستاذة بسمات ورقية جالستان سويا تتحدثان في صوت خفيض وتضحكان وهن يسترقن النظر إلى أستاذ حسين.
أحست أستاذة بسمات ورقية التغير المفاجئ الذي طرأ على أستاذة سامية، وحاولن مرارا وتكرارا أن يسألنها ماذا فعلن لها حتى تعاديهن كل هذه العداوة..لكن سامية استعصمت بالصمت والتمادي في اتخاذ بسمات ورقية عدوات لدودات.