أخبار عاجلةمقالات

*عبدالقادر دقاش يكتب..من راسك أم من كراسك ؟!*

كان صاحبي كلما سمع حكاية ولم ترق له تلك الحكاية أو لم تجد طريقا سالكا إلى ماكينة عقله الصارم، يقول-بعد أن يكور سفته ويلقيها بمهارة في إحدى جنبات فمه ثم ينفض يديه بخفه و بذات المهارة- يقول: (الكلام دا قاطعوا من راسك). ثم يُقلب وجوه الكلام ضابطا إياه منهجيا لينزع عنه سحره ويزيل عنه غموضه ويكشف عيوبه، حتى يذره هشيما. وكنت أقول له: إن النقد العلمي المجهري والضبط المنهجي يفسد الحكايات ويفسد التاريخ لأنه يقطع خيوط الخيال ويترك فراغا عريضا في ذاكرة الناس التي تميل بطبعها إلى تصديق الأساطير والحكايات التي تُشعِر بالأنس، على عكس الحقائق والوقائع التي تعطي شعوراً بالوحدة والغربة والخذلان.
وفي ذات مرة من المرار، قلت له: إن التنباك حرام. ورويت له ما حكاه الفقيه العالم ود ضيف في طبقاته. تقول الرواية: “وأما التنباك فقد اختلفوا فيه، ففي مصر أفتى شيخ الإسلام الأجهوري بإباحته وأفتى إبراهيم اللقاني صاحب جوهرة التوحيد بحرمته. وفي السودان أفتى الشيخ إدريس بحرمته وأفتى الشريف عبد الوهاب رجل أم سنبل بإباحته وحضر عند الشيخ عجيب وهو نازل في رفاعة فقال له الشيخ عجيب: الشيخ إدريس قال بحرمة التنباك، فأنكر ذلك وقال: من رأسه أم من كراسه، ثم حضر الشيخ إدريس عند الشيخ عجيب، فقال له: قد حضر الشريف عبد الوهاب وقال بإباحه التنباك، ولما أخبرناه بقولك، قال من رأسه أم من كراسه فقال له: أخبرت بحرمته في رؤيا منامية، ويشهد على ذلك الشيخ محمد الهميم والشيخ حسن ولد حسونة، وإن القاضي دشينا كان يتعاطاه إلى أن توفي، يقول بحرمته الآن، وأذا سيل في قبره، قال الشريف عبد الوهاب: لما أخبر بما حصل رضيت بالقاضي دشين، فأرسل الشيخ إدريس الشيخ دفع الله العركي، فسأله وهو في القبر، فقال له: إن التنباك حرام، كلم الشيخ إدريس، يسأل الله لي المغفرة بسبب تعاطيه”.
فضحك صاحبي: ثم تحسس كيسه ونفض ما تبقى من تنباك في يده، وفعل ما هو ماهر فيه مثل كل مرة!

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى