عصام الحسين يكتب.. الإخوان والإرهاب .. الجنجويد والكباب!

حــــالة .. وطن
*في ميزان العدالة الدولية، ومقياس الأخلاق والضمير الحي، لا ينبغي أن تُصنَّف الجماعات والتنظيمات وفق معايير انتقائية أو اعتبارات سياسية عابرة، بل بمدى انطباق التعريفات القانونية على أفعالها وسلوكها خاصة تلك المتعلقة بالارهاب. فإذا كانت ثمة مساعٍ حثيثة لتصنيف بعض الحركات السياسية في السودان، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وفق معايير الإرهاب، فإن مقتضى الاتساق الأخلاقي والقانوني يفرض النظر بجدية أكبر في ممارسات مليشيا الـ دقلو الارهابية، على ضوء ما ارتكبته من انتهاكات جسيمة وجرائم موثقة لا يمكن وصفها كانتهاكات عابرة لحقوق الإنسان، بل هي – في حقيقتها – مأساة إنسانية مكتملة الأركان، وجريمة تاريخية في حق المجتمع والدولة.*
تجلت أفعال مليشيا الجنجويد في صورة عنفٍ منفلتٍ من كل قيدٍ أخلاقي أو قانوني، وامتد بطشها إلى المدنيين العزّل، فهُتكت الحرمات، واستُبيحت المدن والقرى، وتحولت بيوت الناس إلى ساحات للرعب والنهب والتهجير ولقد تحولت هذه المليشيا، منذ تمردها على الدولة في أبريل 2023، من قوة شبه نظامية إلى فاعل مسلح يمارس أنماطاً من العنف المنظم الذي يندرج، وفق العديد من التعريفات القانونية الدولية، ضمن نطاق الإرهاب فطفقت الإمارات تقصف على هذه الجرائم بالأوراق الدولارية فبدت رغمها السوأة، وما كان من بُد غير توثيقها عبر تقارير صادرة عن منظمات دولية مثل الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية كسلسلة واسعة من الجرائم، شملت القتل الجماعي، والتطهير العرقي، والاغتصاب المنهجي، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات العامة والخاصة، فضلاً عن استهداف البنى التحتية الحيوية والمستشفيات والأسواق.
*فواحش المليشيا الارهابية، في جوهرها، لا تمثل مجرد تجاوزات ميدانية عابرة، بل تعكس نمطاً ممنهجاً ومنظماً من استخدام العنف لبث الرعب في المجتمع وكسر إرادته عبر أدوات القتل الجماعي، والاغتصاب، والتطهير العرقي، وتدمير سبل الحياة. وفي كثير من المناطق، لا سيما في إقليم دارفور، بدت المشاهد وكأنها استعادة لصفحات دامية من التاريخ، حيث اختلطت أصوات الرصاص بصرخات الضحايا ودماؤهم بالدموع، وغدت الأرض شاهداً على مأساة إنسانية تهز ضمير العالم وهذا السلوك يلتقي مع التعريفات المعتمدة للإرهاب في عدد من التشريعات الدولية، والتي ترى أن الإرهاب هو استخدام العنف المنظم ضد المدنيين لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية.*
مأتى الجنجويد ليس مجرد فصل من فصول الحرب، بل انتهاك صارخ لفكرة الدولة ذاتها؛ إذ حين تتحول القوة المسلحة إلى أداة لإرهاب المجتمع بدلاً عن حمايته، فإنها تقوض الأساس الذي تستند عليه الشرعية السياسية والقانونية ولهذا فإن هذه الجرائم، بما انطوت عليه من قسوة واتساع ونمطية، لا تمثل اعتداءً على أفراد فحسب، بل عدواناً على الضمير الإنساني، وطعنة في قلب العدالة الدولية وهذا ما يُفسر الإدانات الإقليمية والدولية المتزايدة لممارسات هذه المليشيا، بما في ذلك التقارير الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي تشير إلى قلق متصاعد من تحول هذه القوة إلى مصدر تهديد مباشر للأمن الإنساني والإقليمي، خاصة في ظل ما وُثّق من انتهاكات واسعة في إقليم دارفور ووسط السودان.
*ومن هنا تبرز ضرورة فتح نقاش دولي جاد حول تصنيف مليشيا الدم والخراب منظمة إرهابية، ليس بدافع الخصومة السياسية، وإنما استناداً إلى معيار موضوعي قوامه السلوك الميداني والجرائم المثبتة. فالتصنيف في هذه الحالة قد يشكل أداة قانونية مهمة لتجفيف منابع التمويل، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم، ومنع الإفلات من العقاب.*
إن أراد المجتمع الدولي، الحفاظ على مصداقية منظومته القانونية والأخلاقية، فعليه التعامل مع جميع الفاعلين المسلحين بمعيار واحد. فالإرهاب ليس اسماً يُلصق بخصوم سياسيين فحسب، بل وصف قانوني ينبغي أن يطال كل من يستخدم العنف المنهجي ضد المدنيين ويقوّض أسس الدولة وعليه، فإن تصنيف هذه المليشيا منظمة إرهابية قد لا يكون مجرد إجراء قانوني، بل خطوة ضرورية لحماية الشعب السوداني، وصون وحدة الدولة، وفتح الطريق أمام مساءلة عادلة تضع حداً لدوامة العنف الذي ظل نهجاً وسلوكاً يقوِّض الأمن ويهتك ستر الاستقرار.