على محمد فضل يكتب.. إدارة الكتلة النقدية في اقتصاد منقسم

تبدو محاولات السيطرة على التضخم المتسارع والارتفاع المستمر في سعر الدولار، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، وكأنها تُدار بأدوات لا تتناسب تماماً مع طبيعة الواقع الذي يعمل فيه الاقتصاد السوداني اليوم.
في تقديرنا، فإن أحد العوامل المهمة التي ينبغي التوقف عندها هو حركة الكتلة النقدية بين المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش والمناطق الخارجة عن سيطرة الجيش، ومدى ارتباط هذه الكتلة بالدورة الاقتصادية والمصرفية الرسمية.
فبعد التصريحات المتعلقة بإعادة تسجيل وتحديث الحسابات المصرفية، بدأت شريحة من أصحاب الأموال في التعامل بحذر مع السيولة الموجودة في حساباتها، خشية أن يؤدي عدم استكمال إجراءات التحديث إلى تقييد قدرتها على استخدام تلك الأموال.
وهذا القلق لا يرتبط بالضرورة بصغار المودعين وأصحاب الحسابات العادية، وإنما قد يكون أكثر وضوحاً لدى أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، خصوصاً أولئك الذين ترتبط أنشطتهم الاقتصادية بالمناطق الخارجة عن سيطرة الجيش، بينما توجد أجزاء من أموالهم داخل النظام المصرفي في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش.
في مثل هذه الظروف، فإن مجرد توقع تقييد أو تجميد الحسابات يمكن أن يدفع أصحاب السيولة إلى إعادة ترتيب محافظهم المالية، وتحويل جزء من أموالهم من العملة المحلية إلى العملات الأجنبية أو الذهب أو غيرها من الأصول التي يرون أنها أكثر قدرة على حفظ القيمة.
وهنا يمكن أن تتشكل حلقة اقتصادية خطرة:
(الخوف من تقييد السيولة -> زيادة الطلب على العملات الأجنبية والأصول -> ارتفاع سعر الدولار -> تراجع قيمة الجنيه -> ارتفاع تكلفة السلع والخدمات -> مزيد من التضخم).
وبالتالي، فإن جزءاً من الضغط على سعر الصرف قد لا يكون ناتجاً فقط عن زيادة الطلب الحقيقي على السلع المستوردة، وإنما أيضاً عن إعادة تموضع للسيولة الموجودة أصلاً داخل الاقتصاد.
ما العمل؟
في تقديرنا، تحتاج المرحلة الحالية إلى إجراءات مؤقتة ومدروسة لإدارة حركة السيولة، من دون أن تؤدي الإجراءات الرقابية إلى خلق حالة من الذعر لدى أصحاب الأموال.
أولاً: يمكن وضع سقف مؤقت للتحويلات اليومية عبر تطبيقات الدفع الإلكتروني في حدود 500 ألف جنيه للعملية خلال اليوم ، على أن تتم التحويلات التي تتجاوز هذا السقف عبر القنوات المصرفية الرسمية.
ثانياً: الإسراع في استكمال إجراءات إعادة تسجيل وتحديث الحسابات المصرفية، مع توفير آليات واضحة وميسرة لأصحاب الحسابات، حتى لا تتحول عملية تنظيم الحسابات إلى عامل يدفع السيولة نحو سوق العملات الأجنبية.
ثالثاً: التحويلات الكبيرة بين الحسابات، والتي تتجاوز 10 ملايين جنيه، يمكن أن تتم عبر البنوك، مع وجود مستند يوضح الغرض الاقتصادي أو التجاري للتحويل، بما يحقق الرقابة المطلوبة من دون تعطيل النشاط الاقتصادي المشروع.
لكن الأهم من هذه الإجراءات هو إدراك طبيعة المشكلة نفسها.
فالاقتصاد السوداني يعمل حالياً في ظروف استثنائية، مع وجود مناطق واقعة تحت سيطرة الجيش وأخرى خارجة عن سيطرته، وتفاوت كبير في درجة ارتباط هذه المناطق بالنظام المصرفي والمالي الرسمي.
لذلك، فإن التعامل مع الكتلة النقدية وكأنها تتحرك داخل اقتصاد موحد ومستقر قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
المطلوب ليس إخافة رأس المال، وإنما طمأنته وتنظيم حركته.
فالسيولة التي يشعر أصحابها بأنها مهددة قد تبحث سريعاً عن ملاذ آخر، وأقرب هذه الملاذات في الظروف الحالية هو الدولار والذهب والأصول القابلة للتحويل.
أما بعد تحقيق السلام وعودة المؤسسات المالية والمصرفية إلى العمل ضمن منظومة وطنية موحدة، فسيكون بالإمكان معالجة هذه التشوهات بصورة أكثر شمولاً، وإعادة تنظيم الحسابات والتحويلات، وربط الكتلة النقدية بالدورة المصرفية والاقتصادية تحت رقابة الدولة.
إن التحدي الحقيقي أمام السياسة النقدية في المرحلة الحالية ليس فقط تقليص حجم السيولة، وإنما إدارة حركتها ومنع انتقالها المفاجئ من الجنيه إلى الدولار.
ولهذا فإن المطلوب الآن هو:
إدارة الواقع الاقتصادي كما هو، لا كما نتمنى أن يكون