*عمار العركي يكتب..مصالح السودان ومجلس دول البحر الأحمر*

يتوجه السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى السعودية لحضور القمة الأولى للدول الثمانية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن ،والتى ستنطلق أعمالها يوم غد، الخميس،8 سبتمبر بمدينة جدة .
* فكرة إنشاء المجلس جاءت كمبادرة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، وكان الغرض المعلن هو تعزيز جوانب الأمن والاستثمار والتنمية، وتحقيق الاستقرار لدول الكيان ودعم مصالحهم المشتركة، وردع كافة القوى الخارجية التي تحاول ممارسة أدوار سلبية في المنطقة ، تم التوقيع على ميثاقه فى السعودية عام 2018م، ليكون المجلس من المنظور “الجيوإستراتيجي” عالى الأهمية ومعبرا عن رؤية إستراتيجية شاملة لمفهوم أمن البحر الأحمر.
* صاحب التأسيس جدل كثيف حول “إستقلالية المجلس” بسبب الظروف والمؤثرات المحيطة آنذاك
مثل ، تكوين التحالف العربى بقيادة السعودية لمواجهة الانقلاب الايرانى فى والحرب التى،دارت هناك فى ظل والخلاف العربى الخليجي ، وصولا الى تداعيات كوفيد 19 والحرب الروسية الأوكرانية ،
* فى حينه ، برزت العديد من التأويلات والتحليلات، فمن جهة لم ير فيها البعض أكثر من أمنيات عربية تاريخية يكون فيها البحر الأحمر بحراً عربياً خالصاً، وقد تم ذلك بإنجاز من القيادة العربية الحالية، ومن جهة أخرى رأت فيها بعض التأويلات بديلاً آخراً للتكتلات العربية الإقليمية القائمة كالجامعة العربية و مجلس تعاون دول الخليج العربي.
* وبشكل خاص ، ذهب بعض المحللين أن السعوية تسعى إلى إيجاد هامش إقليمي للحركة يسمح بتعظيم نفوذها عبر سياسات راديكالية وغير مفهومة ولم يعهدها جيرانها من قبل، حيث سبق أن أعلنت الرياض عن تأسيس تحالف إسلامي ضد الإرهاب وأتبعته بالتحالف العربي ضد الانقلاب المدعوم من إيران في اليمن ، كما ينتقد البعض مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمربأنه ليست سوى محاولة سعودية لإمتلاك كرت مناورة إقليمي أمام التطورات والتحولات المهمة في القوى المهيمنة وبروز روسيا والصين كقوى صاعدة بسرعة فى مواجهة الولايات المتحدة والغرب ، أيضا.
* قد يُنظر للمجلس كمحاولة لفرض الوصاية على هذه الدول؛ لأنه لا يوجد ما يدعم قيام شراكة واندماج وتكامل بين الدول المذكورة؛ حيث تغلق السعودية أبوابها أمام رعايا الدول الأعضاء في هذا التكتل الإقليمي الطارئ وأمام حركة البضائع،هذا فيما يعنى العلاقة بين السعودية كدولة مؤسسة ودول المجلس ، والتى بدورها تعيش حالة من التوترات والخلافات فيما بينها بصورة تجعل ضعف التوقع بأن يكون لهذا المجلس شأن إقليمي ودولي في المستقبل ، ولكن يظل الجدل من باب التحليل والتنبؤ بناءا على ظروف وفرضيات متغيرة وغير ثابتة، عكس الميثاق والإعلان الرسمى للمجلس والذى يعالج إستراتيجيات ثابتة وشاملة.
* فمجلس دول البحر الأحمر وخليج عدن أو مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن هو اتفاق بين عدة دول يهدف إلى حماية حركة التجارة والملاحة العالمية والدولية ويضم السعودية، مصر، السودان، جيبوتي، اليمن، الصومال، الأردن ،إرتريا وقد أعلن عن تأسيسه من قبل وزراء خارجية الدول الثمانية في ديسمبر 2018 م.وقد سبق إعلان التأسيس عدة اجتماعات كان أولها اجتماع على مستوى كبار المسؤولين في تلك الدول عقد بالقاهرة فى ديسمبر 2017، والذى نص بيانه الختامى على أهمية “إيجاد آلية للتعاون والتنسيق في مجالات بينها الأمنية والاقتصادية بشأن البحر الأحمر”.
* عٌقد اجتماع ثاني لوزراء خارجية الدول المشاطئة بالرياض فى ديسمبر 2018، حيث نص البيان الختامي على أهمية “إنشاء كيان يضم الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن يستهدف التنسيق والتعاون بينها ودراسة السبل الكفيلة بتحقيق ذلك في كافة المجالات” ، كما عٌقد اجتماع ثالث في فبراير 2019، لـ”كبار المسؤولين” للدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر بالقاهرة ، ثم تلا ذلك اجتماع رابع فى مارس 2019، بالقاهرة بالتنسيق بين الخارجية المصرية و وزارة الدفاع المصرية بحضور كبار المسؤولين من الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، وقالت الخارجية المصرية، في حينها، إن الاجتماع يتناول “تقييم المبادرات المطروحة على الساحة الدولية بشأن الوضع فى البحر الأحمر وخليج عدن، وأثرها على مصالح الدول المشاطئة فى ضوء ملكية هذه الدول الأصيلة واضطلاعها بالدور الرئيسي في ترتيبات الإقليم السياسية والاقتصادية والأمنية”.
الشاهد فى كل هذه المراحل أن التأسيس مر بنقاشات وتفاهمات أخذت وقتا طويلا إنصبت فى مناحى الإستراتيجية الأمنية الشاملة لتأمين وحماية البحر الأحمر من المهددات والمخاطر بكل أشكالها وأنواعها على إمتداد مساحته الجغرافية التى يبلغ طولها من الجنوب إلى الشمال حوالى 1900 كيلومتر، بمساحة تناهز 450 ألف كيلومتر مربع، فيما تميل تضاريسه للانحناء نحو الغرب، ويضم عددا كبيرا من الجزر ذات الأهمية الأمنية والعسكرية البالغة، في مقدمتها جزيرتا شدوان والأخوين، وجزيرة بريم في فم مضيق باب المندب، والرابطة بين البحر الأحمر وبحر العرب، إضافة إلى جزيرة دميرة المطلة على باب المندب قرب مثلث الحدود بين إريتريا وجيبوتي وإثيوبيا.
* الميزات والخصائص الجيوسياسية الكثيرة للبحر الأحمر من أهم نقاط التحكم الاستراتيجي، باعتباره المجرى المائي الأبرز لتدفق النفط والتجارة من وإلى أوروبا ، فعبر البحر الأحمر، يٌنقل نحو 60 % من الاحتياجات الأوروبية من الطاقة ونحو 25 % من الاحتياجات الأمريكية من البترول الخليجي، هذا فضلا عن تدفق القوة العسكرية بين كل من البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والمحيط الأطلسي، والمحيط الهندي والمحيط الهادئ.
* أيضا يلعب البحر الأحمر دورا غاية في الأهمية على الصعيدين السياسي والعسكري في المنطقة، إضافة إلى دوره الاقتصادي على مستوى دول العالم، وهذا ما جعل منه منطقة جذب للدول العظمى التي ترغب أن يكون لها دور بارز في البحر الأحمر لتحقيق مصالحها وأهدافها، ولذلك ظهرت النزاعات السياسية في حوض البحر الأحمر كنتيجة لتلك السياسات المتبعة لضمان وجود تلك الدول في المنطقة، وبقائها أكبر وقت ممكن، فالبحر الأحمر بمضائقه الحاكمة وجزره المسيطرة، من ضمن أولويات الدول العظمى لحماية مصالحها، وتأمين مرورها عبر تلك المضائق، إضافة إلى اقتناع تلك الدول بأن من يستطيع السيطرة على تلك المضائق فهو حتما يستطيع أن يؤثر في السياسة الدولية اقتصاديا وعسكريا.
* السودان ، وبالرغم من ظروفه السياسية والأمنية والإقتصادية المعيقة والمعلومة والتي صاحبت مراحل التأسيس والإعلان وإستمرت حتى لحظة إنعقاد قمة جدة الراهنة ، إضافة للتحولات الإقليمية والدولية التى كان لها دور كبير في نشؤ التحالفات والكيانات وإتخاذ المواقف ، نجد أن السُودان نجح الى حد مقبول فى خلق توازن بين مصالحه الوطنية على البحر الأحمرومصالح وأهداف المجلس وذلك من خلال إصدارالسيد رئيس مجلس السيادة ، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مرسوماً دستورياً بتعيين وزير الدفاع، وزيراً مختصاً بتنفيذ قانون المناطق البحرية والجرف القاري لسنة 2018، ونصّ المرسوم الدستوري على أن ”تؤول جميع السلطات الخاصة بتنفيذ قانون المناطق البحرية والجرف القاري لسنة ٢٠١٨م لوزير الدفاع بدلاً عن المفوضية القومية للحدود“.
ـ وينص قانون ”المناطق البحرية والجرف القاري“ على أحقية السودان في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة في البحر الإقليمي، لحماية نفسه ضد أي عمل ضار بأمنه وسلامته أو مصالحه وذلك وفقاً للقوانين السودانية وقواعد القانون الدولي، ولمنع السفن الداخلة إلى المياه الداخلية من الإخلال بالشروط التي يخضع لها دخول تلك السفن في هذه المياه“.
ويلزم القانون السفن الأجنبية التي تمر في البحر الإقليمي، بمراعاة القوانين السودانية والدولية، وله الحق في منع السفن الأجنبية من المرور في مساحات محددة من بحره الإقليمي إذا رأى أن المنع ضروري لأمنه.
ويخضع مرور السفن الحربية في البحر الإقليمي لإذن مسبق، وللحكومة السودانية الحق في اتخاذ جميع التدابير التي تراها ضرورية إزاء السفن المخالفة، ويلزم القانون الغواصات بالسير فوق سطح الماء في البحر الإقليمي وعليها أن ترفع أعلام الدول التي تتبع لها.
المرسوم أعاد تصحيح وترتيب الإهتمام الإستراتيجي فيما يتعلق بالموانئ والمرافئ ومياه الخلجان والبحار الملامسة لحدود السودان والجزر السودانية في البحار ، وكل ما يتعلق بمصالح السودان البحرية تحت ولاية وزارة الدفاع ما يعني أن الجيش هو المتحكم حصريا في المصالح الحيوية والاستراتيجية في المناطق البحرية والجرف القاري، ويشمل ذلك أي علاقات أو مصالح للسودان مع الدول الأخرى في حدود البحر الإقليمية“.
ـ خلاصة القول ، يظل نجاح قمة المجلس الأولى والغاية منه رهين بإعادة صياغة العلاقات البحرية بين الدول الأعضاء ومناقشة كل السلبيات والمعوقات خاصة فى ظل تغليب دول المجلس مصلحتها الوطنية على مصلحة أمن البحر الأحمر ، مثال لارتريا واثيوبيا لديهما نزعة توسعية في الجزر السودانية ،ولإرتريا مطامع وصراع قديم متجدد حول الجذر اليمنية ، كذلك هنالك ممارسات غير قانونية ولا شرعية لبعض لدول المجلس فيما بينها على المياه الإقليمية المشتركة إضافة لذاك ،كذلك الصومال وجيبوتي لديهم نزعة إيجار الموانئ والقواعد العسكرية لكل قوى التنافس الدولى والإقليمى على البحر الأحمر، وإرتريا ذهبت فى هذا الإتجاه والسودان بصدد التفكير وخوض غمار الإيجار،الأمر الذى يتطلب من المجلس الوصول لصيغة وميثاق شرف جماعى لإستغلال البحر الأحمر قبل ميثاق الحماية والتأمين.
* ما يهم السودان كعضو فى هذا التجمع ، هو التوجه الرسمي والمعلن للمجلس والذى يفيد بان الغايات الرئيسة من تأسيسه في (مجابهة المخاطر المشتركة، وحماية حركة التجارة والملاحة، فضلاً عن تعزيز القدرات الأمنية والعسكرية)، الامر الذى يجعل أمن مياه السودان جزء رئيس من أمن البحر ، وبالتالى يدخل فى صميم اهداف ومشاريع المجلس ، فقط مطلوب من السودان طرح الامر امام المجلس وشرح التهديد والمخاطر المحدقة والمعوقات مع توضيح وسائل المكافحة والحد منها بتقديم رؤية لميثاق شرف لإستغلال مياه وشواطئ البحر الأحمر ،
* بالضرورة أن يحقق السودان غابته فى الإنتساب لهذا المجلس ، وتحقيق مكاسب مادية وفنية تعينه في تجويد عملية مكافحة تلك المهددات والقضاء على التهديد الأجنبى لمصالح السودان فى مياهه الإقليمية على البحر الاحمر.