أخبار سياسيةأخبار عاجلة

ندوة المركز السوداني للحوار: خطوة جادّة نحو السلام وبناء الدولة في زمن الحرب

البلد نيوز:أحمد بامنت
بدعوة كريمة من المركز السوداني للحوار ودراسات السلام، تشرفنا بحضور ندوة مختلفة في شكلها ومضمونها عن أغلب الفعاليات المعتادة. كانت دعوة تحمل عنواناً نحلم به جميعاً السلام وبناء الدولة خاصة في هذا التوقيت الصعب الذي تمر به البلاد.
السودان اليوم يعيش وضعاً معقداً، تتداخل فيه أصوات السلاح مع خطابات التعبئة وينتشر فيه السلاح والمليشيات لدرجة يصعب معها حصر عدد القوى المسلحة، سواء المشاركة في الحرب أو غير المشاركة. في وسط هذا المشهد القاتم تصبح أي دعوة للسلام بمثابة بارقة أمل خصوصاً في وقت ما زالت فيه أصوات أخرى ترى أن الحرب قدر لا مفر منه.
من هذا المنطلق، نرى أن ندوة المركز السوداني للحوار ودراسات السلام حول “الوضع الراهن ودور الشباب والمرأة في السلام وبناء الدولة الوطنية بعد الحرب”

لم تكن مجرد ندوة أكاديمية، بل حدث له دلالات سياسية وفكرية مهمة. يمكن اعتبارها مؤشراً على بداية تفكير جديد داخل السودان، بعد أكثر من ثلاث سنوات من حرب 15 أبريل.
الندوة التي أقيمت بقاعة رئاسة الشرطة بمدينة كسلا لا يمكن التعامل معها كترف فكري في زمن الحرب، بل هي محاولة واعية لتهيئة المجتمع لمرحلة ما بعد الحرب، في وقت ما زال السلاح هو الصوت الأعلى، بينما يُحاصر صوت العقل وسط استقطاب حاد بين دعاة الحرب ودعاة السلام.
في ظل تآكل الدولة، وانهيار المؤسسات، وتفاقم الأزمة الإنسانية، تتصاعد أصوات ترى في استمرار الحرب الخيار الوحيد. وفي المقابل، يكاد يغيب النقاش الجاد حول السلام كعملية طويلة تتعلق بالمجتمع والقيم، وليس مجرد اتفاق بين نخب سياسية أو قوى مسلحة. كما يلاحظ ضعف واضح في الدراسات والبحوث، رغم كثرة الأحزاب والكيانات السياسية والحركات المسلحة.
هنا تبرز أهمية هذه الندوة، لأنها تحاول كسر هذا الجمود، وإعادة الاعتبار للمعرفة والتحليل كمدخل لفهم الأزمة والخروج منها. الورقة التي قدمها الأستاذ مهيد الشيخ، رغم تركيزها على الشباب والمرأة، تناولت قضايا أعمق، مثل العلاقة بين النزاع وبنية المجتمع، ودور القيم في إعادة بناء السلام والدولة.
الورقة طرحت فهماً أوسع للسلام، لا يقتصر على ايقاف الحرب بل يشمل رؤي مفاهيمية لعدم حدوثها كثوابت وقيم اجتماعية تسهم في استعادة الثقة بين مكونات المجتمع وترتكز علي إشراك الجميع في صنع القرار
وأكدت أن تهميش الشباب والنساء يعني إعادة إنتاج أسباب الحرب كما تطرقت إلى مفهوم الضبط الاجتماعي ولان ما حدث في السودان لم يكن فقط انهياراً عسكرياً أو سياسياً بل انهياراً في القيم والروابط المجتمعية حيث تراجعت الأعراف والقيم وتعالت اصوات النعرات والعصبية العشائرية علي حساب المنظومة الاجتماعية للهوية السودانية وحل محلها منطق القوة والسلاح والقبيلة وفي هذا السياق، يمكن للشباب والنساء أن يلعبوا دوراً مهماً في إعادة بناء هذه القيم، من خلال المبادرات المجتمعية والعمل المدني والمشاركة في السياسات العامة.
لا يمكن فصل هذه الندوة عن الدور الذي يسعى المركز السوداني للحوار ودراسات السلام لترسيخه، كمنصة بحثية مستقلة في ساحة تفتقر لمثل هذا الدور. ففي ظل كثرة الأحزاب وهيمنة السلاح، يصبح البحث والمعرفة ضرورة وليست رفاهية لفهم جذور الأزمة واقتراح حلول واقعية لما بعد الحرب.
يمكن النظر إلى هذه الندوة كمحاولة لاستعادة السياسة من فوهة البندقية، وإعادتها إلى فضاء الحوار والنقاش العام. وقد طرحت سؤالاً مهماً: هل يمكن للسودان أن يخرج من أزمته دون إعادة بناء منظومة القيم والأفكار التي تحكم المجتمع والدولة؟
ختاماً، هذه الندوة تمثل خطوة أولى، لكنها خطوة ضرورية وفي الاتجاه الصحيح، لإعادة تعريف السلام كمشروع وطني تشاركي، تكون فيه المرأة والشباب وكل فئات المجتمع في قلب الفعل، لا على هامشه.
شكراً للمركز السوداني للحوار ودراسات السلام، فقد فتحتم نافذة للأمل، ونأمل أن تتعدد مثل هذه المراكز البحثية والاكاديمية لأنها تنير الطريق للنخب السياسية وبالعلم والمعرفة تنهض الأمم.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى