أخبار عاجلةمقالات

نهر النيل… أرض الحضارة وحصن المجتمع

كتب الشاعر إدريس محمد جماع عن النيل و لم يكن يصف مجرى ماء النيل فحسب وإنما كان يرسم ملامح الإنسان الذي عاش على ضفافه فقال:
النيلُ من نشوةِ الصهباءِ سلسلُهُ
وساكنو النيلِ سُمّارٌ ونُدمانُ
وفي هذه الصورة الشعرية تتجلى روح المودة والألفة التي عُرف بها أهل ضفاف النيل من كرم في الضيافة ونبل في المعاملة وشهامة في المواقف وقلوب مفتوحة للضيف قبل أن تُفتح له الأبواب ، ولم تكن ولاية نهر النيل استثناءً من هذه السيرة بل كانت عبر تاريخها عنواناً للتكافل والتراحم وعندما اندلعت الحرب واستقبلت الولاية آلاف الأسر التي فرت من أتون الحرب لم يُسأل القادم عن قبيلته أو منطقته وإنما كان السؤال: ماذا يحتاج؟ فاحتضنت القرى والمدن إخوةً لهم في الوطن وتقاسم الناس معهم البيوت والزاد والأمان في مشهد سيظل شاهداً على أصالة المجتمع السوداني
الحديث عن كرم أهل نهر النيل وشهامتهم حديثاً لم يُنشأ اليوم وإنما هو خلقٌ توارثته الأجيال وخلّدته أشعارهم وحكاياتهم الشعبية فقد تغنت شاعرتهم في عمدة الميرفاب مختار ود رحمة واصفةً مكارم الرجل التي كانت تمثل قيم المجتمع بأسره، فقالت:
ﻋﺮﺵ ﺩﻭﺩ ﻣﺮﺍﻗﺪ ﺍﻟﺴﺎﺭ
ﻟﻲ ﺍﻟﻤﻮ ﻓﺸﺎﺭ
ﺧﺎﻳﻠﺔ ﺍﻟﻤﻠﻜﻪ ﻓﻮﻕ ﻣﺨﺘﺎﺭ
ﺳﻴﺪ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ
ﺳﻴﺪ ﺍﻟﻤﻬﺮﻩ ﻭﺍﻟﻘﺮﻗﺎﺭ
ﺍﻳﺪﻙ ﺍﻟﻤﺎ ﺑﺘﺨﻮﻥ ﺍﻟﺠﺎﺭ
ﺍﻳﺪﻙ ﺗﺮﺟﻢ ﺍﻟﺤﻔﺎﺭ
و تغني فنان نهر النيل محمد الحسن قيقم :
لا تحزن بي ما جرى
يا ضال الطريق
ميل على اهل القرى
اهل الاصل بفخر بهم
بتمنى دايما قربهم
حد من يجيك في رايو حر
غداهم في ضل الضهر
اهل الحليب اهل المهر
قول الحقايق مو كشر
للمكام ينشروا
ان جاهم ضيف يتباشروا
هذه الأبيات ليست مدحاً لشخصٍ بعينه فحسب بل هي توثيق لمنظومة أخلاقية كاملة الجار فيها مصان والضيف مكرم والمستجير مجاب وصاحب المروءة مقدم ولذلك لم يكن غريباً أن يهب أهل نهر النيل لإغاثة آلاف النازحين وأن يفتحوا لهم القلوب قبل البيوت لأن الكرم عندهم ثقافة متجذرة في الوجدان ، و ما قدمهم أهالي نهر النيل حكومة و شعباً من قوافل غذائية للولايات التي تضررت بسبب الحرب و قوافل إسناد للقوات المسلحة في معركة الكرامة لهو سفر لوحده يحكي عظمة نهر النيل و إنسانها .
تغنى كثير من شعراء نهر النيل بأصالة إنسانها وشجاعته و وفائه ونجدته الملهوفين حتى أصبحت هذه الصفات جزءاً من هوية الولاية يعرفها القاصي والداني .
أن الحروب لا تنتهي بانتهاء المعارك العسكرية وحدها بل كثيراً ما تتبعها حروب من نوع آخر تستهدف المجتمعات في أمنها وأخلاقها وشبابها ومن أخطر هذه الحروب انتشار المخدرات والجريمة المنظمة ومحاولات بث الفوضى وتقويض الاستقرار وهي جرائم لا تستهدف فرداً بعينه وإنما تستهدف مستقبل المجتمع بأسره ومن هنا فإن مسؤولية حماية ولاية نهر النيل ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها بل هي واجب تشارك فيه الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام ولجان الأحياء وكل مواطن يدرك أن الأمن مسؤولية جماعية
غير أن النيل الذي يمنح الحياة ويجري عذباً زلالاً يعلم الناس أيضاً أن الكرم لا يعني الغفلة وأن الصفح لا يعني التفريط ففي مياهه حياة وفيها كذلك تماسيح تحرس مجراه .
لقد وصف جماع النيل في لحظة سكونه فقال:
تمشي الأصائلُ في واديه حالمةً…
وللخمائل شدوٌ في جوانبه
لكنه وصفه أيضاً حين يُستفز ويُعتدى عليه:
إذا الجنادلُ قامت دون مسربهِ
أرغى وأزبد فيها وهو غضبان
هكذا هي المجتمعات الأصيلة مسالمة بطبعها كريمة في تعاملها لكنها تعرف كيف تحمي أمنها وتدافع عن استقرارها في إطار القانون وسيادة الدولة فالرحمة لا تعني التهاون مع الجريمة والكرم لا يعني التساهل مع من يسعى إلى إفساد المجتمع.
وهكذا ينبغي أن يكون مجتمع نهر النيل يفيض خيراً على من قصده آمناً لكنه يقف بحزم في وجه كل من يحاول نشر المخدرات أو زرع الفتنة أو العبث بأمن الناس واستقرارهم ، إن المحافظة على هذا الإرث الأخلاقي والحضاري تستوجب يقظة المجتمع كله وتكاتف المواطنين مع مؤسسات الدولة حتى تبقى نهر النيل كما عرفها التاريخ أرضاً للخير وموطناً للكرامة وحصناً منيعاً في وجه كل من تسول له نفسه العبث بأمنها أو النيل من تماسك أهلها.
إن ولاية نهر النيل هي موطن حضارات ضاربة في عمق التاريخ قامت على أرضها ممالك عظيمة ولا تزال آثارها شاهدة على عظمة الإنسان السوداني وقدرته على البناء والصمود وما بقي من تلك الحضارات في ذاكرة التاريخ لم يكن بسبب الحجارة وحدها وإنما بسبب الإنسان الذي حرسها وصانها جيلاً بعد جيل، واليوم فإن حماية هذا الإرث تقتضي الوقوف صفاً واحداً في مواجهة كل أشكال الفساد والجريمة ودعم مؤسسات الدولة في أداء واجبها والإبلاغ عن كل نشاط يهدد أمن المجتمع مع الالتزام بسيادة القانون واحترام العدالة حتى يُحاسب كل من يثبت تورطه وفق الإجراءات القضائية.
إن نهر النيل ستظل رمزاً للعطاء وأهله سيظلون مثالاً للكرم والشهامة والتكاتف وستبقى هذه الأرض بإذن الله عصية على كل من يحاول العبث بأمنها أو تمزيق نسيجها الاجتماعي ما دام أهلها على وعي بما يُحاك لوطنهم وما دامت وحدتهم أقوى من كل محاولات الفرقة .
نسأل الله أن يحفظ ولاية نهر النيل وأن يحفظ السودان كله من الفتن وأن يديم على أهله نعمة الأمن والاستقرار وأن يوفق الجميع إلى التعاون على الخير، وصيانة المجتمع، وبناء وطن يسوده السلام والعدل وسيادة القانون.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى