ورحل صاحب السجادة

*عذرا ..الآلم الذي انتابني برحيل العم والشيخ عابدين محي الدين حرمين جعلني مجبرا على قطع حلقات “الحرب والمغتربين” على وعد أن يكون لنا عودة لهذه السلسلة الطويلة.
*ففي سنوات خلت ونحن على أعتاب وداع مرحلة الطفولة كنا نلعب أمام منزله عصرا يقابلنا بابتسامة بيضاء مثل أسنانه وقلبه وهو عائد منهك من يوم عمل شاق.
*لم نراه يوما يرفع صوته على ابنائه ولم نشاهده يعاقبهم أمامنا ،بل كانت الابتسامة حاضرة في وجه المسبحة في يده لم تفارقه اظنها كذلك وهو على فراش المرض قبل وداعه لهذه الدنيا التى أجبرته على الهجرة في زمن “الا اختيار”.

*بالامس نقل لي شقيقي “رضا” نباء رحيل العم والشيخ والنسيب عابدين محي حرمين بالقاهرة وهو بعيدا عن” بكره” محي الدين وشقيقه معتصم ولم تمارضه ابنته مشاعر “زوجتي” فالحرب حكمت أن تفرق الأسر وتبعد المسافات بين الأشقاء .
*رحل عم عابدين في ذات الشهر الذي رحلت فيه رفيقة دربه في الحياة حاجة النيه “لهما الرحمة والمغفرة” ففي شهر سبتمبر من العام السابق كان رحيلها في قرية كاب الجداد بولاية الجزيرة وفي ذات الشهر كانت اخر رؤية لي وابنته مشاعر لوالدها .
* رحل شيخ عابدين وهو بعيدا عن بعض ابنائه وكثيرا من اهله،رحل بعد أن أجبرته الحرب على الخروج من داره التى بناءها بعرقه وجهده،اذكر ذاك اليوم جيدا وبعد ان كثر قذف الدانات في حي القوز ومات من مات وجرح من جرح قررنا الخروج حفاظا على الأطفال وكبار السن، ولكنه كان رافض الخروج وقال لنا “اموت في بيتي” خرجنا في ذاك اليوم وتركنا معه ابنه معتصم الذي نجح في إقناعه بضرورة الخروج حفاظا على سلامته،فهؤلاء الاوباش “الدعامة” لا يحترمون كبير ولا يوقرون صغير ،لايعرفون المحرمات ولا يلتفتون لفعل كل ماهو قبيح،خرج عم عابدين ليكون مع رفيقة مشواره في الحياة إلا أن رفعت روحها الطاهرة بالجزيرة الخضراء ،وهاهو يلحق بها في الدار الآخرة ولسان حاله يقول “لن اعيش دونك”.

*رحل شيخ عابدين المتصوف الذي لم نراه ينافق ولم نسمع عنه” المنكورة” رحل من كان صديق السجادة ورفيق المسبحة ..رحل صاحب اللحية البيضاء التى تمتلئ وقار وصلاح ،رحل وبعض ابنائه بعيدين عنه يتلهفهم الشوق لرؤية وجه الوضاح وقلوبهم يعتصرها الالم وعيونهم همت من الدموع وهم يرددون “أبي طاب منامك الطويل، ورحم الله جسدك الذي امتلأ طهراً، وغاب عن الدنيا”.
*رحل” عم عابدين” الذي لم أشعر أنه مجرد نسيب،فكان هو وخالتي النيه لهما الرحمة والمغفرة يعاملاني كابن لهما وليس نسيب فعلاقتي بالأسرة ليس جوار وبعده نسب فقط وانما عشرة سنين طويلة، امتدت لجذور بعيدة فأصبح الهم واحد وكذلك الحزن والفرح ،فكانت جسور الثقة والألفة والمحبة ممتده لابعد الحدود وكانا يعاملاني كواحد من ابنائهما دون تفرقة،لذا رحيلهما ترك فراغا كبير في حياتي ولم اعد اصدق أن هذه الحرب ستنتهي ونعود الي ديارنا ولا نجدهما، واعود لاستغفر ربي واقول هذه مشيئته وقدره المحتوم وليس لنا إلا أن ندعو الله لهما بالرحمة والمغفرة.
*رحل عم عابدين بعيدا عن مسجد الشيخ الحسن في القوز والذي قضي فيه سنوات طوال الي جوار شيخ مصطفي لهما الرحمة والمغفرة،رحل في القاهرة البعيدة،ومحي الدين لم يراه ولم يطمئنه على عودته سالما من كركوج بسنار رحل ومعتصم لم يشهد غسيل جثمانه الطاهر رحل ومشاعر لم تقبل جبينه مودعه له في يومه الأخير بهذه الفانية رحل وخوجلي يكابد الحياة في الكويت ولم يلقي عليه نظرة الوداع رحل شيخ عابدين والي جواره طارق وعبدالعظيم ومحمد ومناهل يرافقوه في مرضه ولكنهم يشتاقون الي رويته وهو جالس في مصلاه وممسك بالمسبحه يداعبها باوراده اليومية.
*رحل الشيخ الورع وبعضا من أحفاده لم يشاركوا في دفن جثمانه بأرض بعيدة بها القليل من الأهل وكثير من الدعوات التى ترفع للسماء راجيا المولي عز وجل بأن يجعله في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لامقطوعة ولاممنوعة وفرش مرفوعة،اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله . وذرية خيرا من ذريته وزوجا خيرا من زوجه وادخله الجنة بغير حساب برحمتك يا ارحم الراحمين.ولاحول ولاقوة الا بالله وانا لله وانا اليه راجعون.