الصادق الرزيقي يكتب..ماوراء الأكمة الأوكرانية…؟

اما قبل
في صيف موسكو المشبع بجو رطب .. مفتتح يوليو 2012 م ، داخل قاعة فسيحة بفندق كراون بلازا عند مركز التجارة العالمي بالعاصمة الروسية ، تحلقنا نحن بعض ضيوف القمة الإعلامية العالمية الثانية التي إستضافتها موسكو ، حول أحد أبرز صناع السياسة الروسية و منظريها السيد سيرجي ناريشكين رئيس مجلس الدوما ، ( لاحقا مدير المخابرات الخارجية – و سابقاً مدير ديوان الرئاسة في الكرملين ) ، و كان الحديث يومذاك حول الأطروحات الروسية في إعادة المجد الإمبراطوي الآفل ، و أخذ المستطاع من الإرث السوفيتي الذي سحق روسيا القيصرية ، ثم ماذا بعد عودة فلادمير بوتين إلي رئاسة الجمهورية الروسية ؟ عقب توليه رئاسة الوزراء بعد دورتين رئاسيتين ( 2000م – 2008 م) لا يحق له حسب الدستور الترشح لدورة ثالثة ، فأتي بصديقه و رفيق درب الطموح ديمتري ميدفيديف إلي الرئاسة متبادلاً معه الموقع حيث كان الأخير رئيساً للوزراء ، ليتسني له العودة رئيسا في 2012م و تم تعديل الدستور الذي أتاح له البقاء في السلطة حتي 2036 م.
في تلك الجلسة وعقب حديث السيد سيرجي ناريشكين من المنصة الرئيسية ، قصد أن لا يغادر القاعة ، تاركاً الفرصة للتعارف والتواصل و النقاش غير الرسمي مع بعض المشاركين في القمة الإعلامية الدولية ، وما أدراك من حوله ، مدير عام الاسوشتيدبرس ، الرئيس التنفيذي لوكالة رويترز ، رئيس القمة السابقة و رئيس وكالة الأنباء الصينية_ شينخوا ، و المضيف السيد فيتالي اجناتنكو مدير عام وكالة ايتار تاس الروسية و هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي ، و إدارة محرك البحث العالمي غوغل ، و مدير نيو كوربوريشن و شبكة تيرنر للأخبار ، وبعض المشاركين الآخرين من المنظمات الإعلامية الدولية البالغ عددها 170 في تلك القمة من بينهم الأستاذ محمد حاتم سليمان مدير الهيئة السودانية للاذاعة و التلفزيون – فك الله اسره – وكاتب هذه الاسطر و كنت وقتها رئيساً للتحرير لأوسع الصحف السودانية انتشاراً ( الإنتباهة ) و كنا إثنين من ثلاثة عرب نحضر تلك القمة بجانب وزيرة الإعلام البحرينية السابقة د. سميرة رجب .
السيد سيرجي نارشيكين الذي يعتبر أحد أهم منظري التركيبة الحاكمة في روسيا ، يمثل هو مع الرئيس بوتين و ديمتري ميدفيديف ، العصبة القوية من أبناء سان بطسبيرج أو لينينغراد ، و من خريجي جامعاتها العريقة ، ويمثل ثلاثتهم النواة الصلبة والوقود الحيوي لفكرة إعادة روسيا الي دروها القيادي كقوة عظمي ، و تجديد مسارها التاريخي كإمبراطورية صنعت مجداً عبر التاريخ منذ القرن الحادي عشر الميلادي ، و كانت ركناً مهماً في عهد الاتحاد السوفيتي من أركان و لوازم النظام العالمي عقب الحرب العالمية الثانية ، و لم يخف ناريشكين في حديثه الخاص للمجموعة التي تحلقت حوله مخاوف روسيا الجديدة من ما يدور حولها ، سواء تمدد الإتحاد الأوروبي شرقاً و محاولات حلف الناتو لمحاصرتها بأعضاء جدد كانوا تحت العباءة السوفيتية ، و لم ينس الإشارة الي أن أوروبا و الغرب بنوا إستراتيجياتهم علي محاربة روسيا ومحاولة تدميرها و شيطنتها كغول متحفز لابتلاع أوروبا و الهيمنة عليها، و أشار كذلك إلي مخاوف موسكو من الطموحات العثمانية للرئيس التركي رجب طيب أوردغان ،
و كان واضحاً أن الرجل المقرب جداً من فلادمير بوتن ينطلق من بؤرة نظر إستراتيجي عميق ، و واعٍ بما يستوجبه التعامل والتعاطي مع المجال الحيوي لروسيا ، حيث كان العمل في بناء الحلف الاوراسي أنذاك ( روسيا – كازخستان – بيلاروسيا ) قد تم تدشينه ، وبجانب مشاركة روسيا الفاعلة في تأسيس مجموعة البريكس مع الصين والهند و البرازيل وجنوب افريقيا ، فضلاً عن التخطيط لإستعادة أجزاء من جورجيا و أوكرانيا ، بجانب الدور الروسي في أحداث سوريا . مع تطوير القدرات العسكرية والاستعداد للمستقبل … وقال : الغرب و آلته الإعلامية وعقله السياسي ينظرون لكل زعيم في مبني الكرملين أنه صورة جديدة للقيصر ( إيفان الرهيب 1530- 1584 ) و أنه كل بلا جدال كائن دموي بشع يشتهي القتل و الحروب وقهر الشعوب ، وتنبأ بأن الرئيس بوتين سيكون إيفان الرهيب للقرن الحادي والعشرين لدي الغربيين .
و تدور ساقية الأيام من ذلك اللقاء في يوليو 2012 م ، ففي نهار يوم الخميس 23 فبراير 2022 ، أعلن الرئيس الروسي الحرب علي أوكرانيا ، في خطابه أمام إجتماع مجلس الدفاع و الامن الروسي وحضور أبرز أركان السلطة الحاكمة في موسكو ، تقرر الإعتراف بالمنطقتين شرقي أوكرانيا( دونيستك ، لوجانسك ) وهما ضمن اقليم دونباس الروسي الهوية ، واعتبرتا جمهوريتين مستقلتين ، و كان سيرجي ناريشكين من أبرز المتحدثين في هذا الإجتماع وعنده إنتهت عملية توليد القرار ،حيث سأله الرئيس بوتين في نهاية الإجتماع ( هل نوافق علي الإعتراف بالجمهوريتين ..؟ ) فقال مبتسماً : نعم نوافق ..
و بالطبع لا يمكن أن لا يكون ناريشكين الحاد الذكاء النحيف الطويل القامة واحداً من أهم الطهاة المهرة في مطبخ السياسة الروسية ، فموسكو تعلم ماذا سيجر عليها قرار الإعتراف بالجمهوريتين و شنّ الحرب علي الحكومة الأوكرانية و إعلان حالة التأهب القصوي للجيش الروسي و وضع قوة الردع النووي علي أهبة الإستعداد.
مهما يكن فإن الصراع الروسي – الأوروبي الذي صارت اوكرانيا مسرحاً له و مقدمة لتطوراته اللاحقة، و تقف واشنطون تزكي في ناره و تنفخ فيها و تحتطب من أجل زيادة لهيبها ، لا تنفصل جذور هذا الصراع عن الفكرة المركزية لدي روسيا في عهد قيصرها الجديد فلادمير بوتين والرموز السياسية حوله وهم ينظرون لحوافر التاريخ و حدواته تخب خبباً من جديد علي أرصفة الكرملين .
فإذا كسبت موسكو حربها .. سيكون حلفها الممتد من بيلاروسيا مروراً بأوكرانيا حتي جمهوريات آسيا الوسطي و ربما مناطق في البلطيق ، هي النسخة الجديدة من الإتحاد السوفيتي السابق ، أو الطبعة المعدلة من الإمبراطورية الروسية بمواردها و فرصها و قدراتها البشرية و العسكرية ، و تستطيع أن تنتج مع حلفائها الدوليين نظاماً عالمياً جديداً في حال غربت شمس أوروبا العجوز و ذهب أمريكا مع الريح .
وقد لا تبدو الطموحات و الآمال لدي السيد بوتين ستمضي كما يُخطط لها ، أو كما تشتهي سفن السياسة في موسكو ، و قد تتحطم بفعل العقوبات الاقتصادية الغربية و محاولة فرض العزلة الدولية عليها، وقد يحدث العكس ، لكن الواقع الدولي الحالي لن يكون كما كان بأي حال من الاحوال ، سواء إنتكست الراية القيصيرية الجديدة أو حلقت فوق الهامات الأوروبية ، فالمهم أن الحرب في أوكرانيا لن تنتهي إلا بواقع دولي جديد .. لصالح روسيا أو عليها ..