الصادق الرزيقي يكتب..أفريقيا ساحة الحرب القادمة

أما قبل
سيكون السودان و معه بعض البلدان الأفريقية ، بلا أدني شك جزءاً من الصراع الدولي و المعركة السياسية المحتدمة بين الغرب و روسيا التي قد تتطور إلي مواجهة عسكرية متعددة الأطراف ، متناثرة الميادين ، ستصبح القارة السمراء واحدة من أهم حلباتها وساحاتها ، فعلي أي وجه تنتهي عليه الحرب في أوكرانيا ، لن تجد الدول الغربية وحلفائها مناصاً من تفريغ شحنة غضبها و ضرب روسيا في مقتل و طعنها في الخاصرة وا لإضرار بمصالحها الحيوية وفرض عزلة كاملة عليها ، لن يكون هناك أنسب من الضغط موسكو في أماكن نفوذها الجديد في القارة الأفريقية .
ثمة أسئلة ملحة … هل سيتأثر الوجود الروسي في أفريقيا ، و تتراجع العلاقات المتصاعدة بين القارة السمراء و روسيا ، بسبب الحرب الروسية- الأوكرانية، خاصة بعد العقوبات الغربية علي موسكو و التضييق عليها دولياً ..؟ و هل ستطيع روسيا الإيفاء بالتزاماتها و المضي قدما في تعاونها الاقتصادي و العسكري و التنسيق السياسي مع شركائها الأفريقيين تحت ضغط الظروف الراهنة و ما تتمخض عنه ؟
التساؤل الأبرز الآن يتلخص في مدي سعي الدول الغربية إلي توريط روسيا في الحرب و محاصرتها و عزلها عن المجتمع الدولي ، ليس بسبب أوكرانيا وحدها ، إنما بدافع حلول الفرصة المواتية لمنع التمدد القيصري الجديد في افريقيا و ووقف الاستفادة من الموارد الطبيعية و السوق الضخم و تزايد النفوذ العسكري و السياسي و الاقتصادي وتحطيم القدرات الروسية في إحداث تحول جيو-سياسي و جيو-استراتيجي في افريقيا و بها ..؟ وهل يمكن درء الاثار المدمرة علي أوروبا و الولايات المتحدة في حال وطدت موسكو وجودها و نفوذها بين الأفارقة..؟
منذ العام 2012م بدأت روسيا في إعادة بناء علاقاتها التاريخية مع بلدان العالم الثالث وخاصة في افريقيا حيث كان للاتحاد السوفيتي السابق حلفاء في القارة ودعم عديد حركات التحرر الافريقي ، وكان له دور بارز في اللعبة الدولية إبان الحرب الباردة كأحر القوتين العظميين ، واستطاعت موسكو تحت ادارة بوتين خلال وجيزة نسج شبكة من علاقات داخل القارة الافريقية تقوم علي التعاون الاقتصادي و الاتفاقيات العسكرية والتجارة والاستثمار المشترك في مجالات التعدين والخدمات .
وقعت روسيا أكثر من 20 اتفاقية اقتصادية وعسكرية مع دول افريقية، وقفز حجم التبادل التجاري من أحد عشر مليار دولار سنويا إلي ضعف هذا المبلغ في 2021م من صفقات السلاح والمعدات و التجهيزات العسكرية و التدريب ، تجارة المعادن ( الذهب و الماس و الكوبالت و البلاتين و اليورانيوم و التيتانيوم و البوكسيت و الالمونيوم و الكولتان و الليثيوم و الزركونيوم و الباريوم والفوسفات والروم و المنغنيز ومعادن اخري ) . و أصبحت روسيا هي الخط الموازي للوجود الصيني في القارة بل تفوقت في بلدان افريقية كثيرة علي الدور الصيني عندما رغبت الحكومات في هذه البلدان تنويع تعاونها الاستثماري و تحالفاتها الدولية و خفض الرؤوس قليلا أمام الضغوط الغربية لتخفيف التواجد الصيني .
و تقدمت روسيا بسرعة مذهلة في تشييد وترميم علاقاتها و توغلت في العمق الأفريقي ، وارِثة نذراً من النفوذ الأوروبي القديم في ( جنوب افريقيا وموزمبيق و أنغولا و زيمبابوي و مدغشقر و تنزانيا و كينيا و زامبيا و الكونغو الديمقراطية و نيجيريا و بورندي و ناميبيا و الجزائر و أثيوبيا و السودان و أفريقيا الوسطي و مالي و بوركينافاسو و موريتانيا و السنغال و غينيا الاستوائية و ليبيا و مصر و إريتريا والنيجر ) ، و زاد من فرص التعاون الروسي – الأفريقي ، مبيعات السلاح وما توفره موسكو من عروض أفضل بكثير من المطروح والمعروض أوروبياً وامريكياً وبلا شروط كما تفعل أوروبا وامريكا ، و احتلت الجزائر و مصر المرتبة الاولي في شراء السلاح الروسي ( 95% من واردات افريقيا من السلاح الروسي تذهب للجزائر ومصر ) بجانب السودان و دول شرق أفريقية .
و لم تلبث موسكو الا سنوات قلائل حتي ثبتت أقدامها في التربة الافريقية ، و نظمت قمتين أفريقية – روسية ( تعقد كل ثلاث سنوات آخرها كانت في سوتشي اكتوبر 2019 م شاركت فيها 50 دولة افريقية ) و حسب الترتيب ستعقد القمة هذا العام 2022م بموسكو .
و مع هذا ضمنت روسيا وجوداً عسكريا فيزيائياً في القارة بواسطة شركة فاغنر ، التي تواجدت قواتها بالقارة ، و شاركت في النزاع الليبي منذ العام 2016م دعماً للجنرال حفتر ، ثم أفريقيا الوسطي في 2017م التي تتواجد فيه قوات تعدداها بعضة الاف ، وخاضت معارك ضارية لحماية نظام الرئيس ( فوستان آرشانج تواديرا ) في بانغي و تقوم بحمايته من هجمات معارضيه من حركتي سيليكا وانتي بلاكا و مؤيدي الرئيس الأسبق فرانسوا بوزيزي ، وتستثمر شركات روسية عملاقة تحت حراسة مجموعة فاغنر في عمليات استخراج اليورانيوم و الذهب و الماس و التيتانيوم من مناجم افريقيا الوسطي ، بجانب اعمال في مجال الذهب وربما اليورانيوم في منطقة كفيا كنجي وحفرة النحاس بالسودان ، و ذات الشيء في جمهورية مالي بعد وصول الرئيس الحالي للسلطة وتحجيمه للوجود الفرنسي، حيث تلقت باريس تلقت ضربة قاصمة بركلها خارج مالي ، ثم تبعتها بوركينا فاسو ، وتتجه دول الساحل في غرب افريقيا الي ذات المنحى .
ولاسباب معلومة و واضحة ، لن تسمح الدول الغربية لروسيا ان ترثها و تحاصر أوروبا من إتجاه الجنوب خاصة مد الأرجل الروسية إلي المياه الدافئة في البحر الاحمر ( القاعدة العسكرية الروسية المقترحة في السودان – التعاون مع ارتيريا – قاعدة متوقعة في ليبيا – تزايد نشاط فاغنر في وسط و غرب افريقيا ) ، و لن تترك لها الساحة الأفريقية خالية بمواردها الضخمة علي قارعة الطريق .
و لذلك يفهم الآن أن العقوبات علي روسيا و التكالب الغربي عليها بعد حرب أوكرانيا ، سيقود حتماً إلي محاصرتها في أفريقيا والضغط علي حلفائها ، و ذكر دبلوماسي غربي في نيويورك بعيد التصويت علي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الحرب في أوكرانيا يوم 2-3-2022 م ، أنه ” مصاب بالدهشة لمواقف بعض البلدان الأفريقية التي لم تصوت مع قرار إدانة روسيا في الأمم المتحدة صوتت فقط مع القرار 19 دولة أفريقية..!! ” ! فقد صوتت بعض الدول الأفريقية ضد القرار بينما وقفت علي الحياد بلدان مهمة و ذات نفوذ مما يعني أن أفريقيا تطوي حالياً صفحة الهيمنة الأوروبية و تختار روسيا والصين بماض خال من الشره الاستعماري و تفتح لها الشراكات الجديدة .
سيحاول الغرب والتحالف الدولي المؤيد له ، التضييق علي البلدان الأفريقية ومحاصرتها سياسياً وشن حرب اقتصاديه عليها ، لموقفها المحايد أو المساند لروسيا ، وستشهد الفترة المقبلة اشتداد رياح وانواء تشابه أجواء الحرب الباردة ، ويبدو موقف السودان علي المحك، و يتطلب ذلك تفكير عميق و وضع استراتيجية واضحة لمواجهة أية ردود أفعال غربية خاصة ان حلفاء الغرب في المنطقة سيتم استخدامهم للاقتصاص من السودان اذا كان بالفعل قد اختار الضفة الروسية ليصطف علي عتباتها ..