أخبار عاجلةمقالات

الصادق الرزيقي يكتب.. لماذا غاب السودان عن مفاوضات تشاد ..؟

اما قبل

غاب السودان عن الحضور و المشاركة في الجهود التي تبذل حالياً من أجل المصالحة في الجارة الغربية جمهورية تشاد، و لم تظهر للخرطوم أية أدوار تنسيقية أو إتصالات سياسية ودبلوماسيةمع الاطراف المختلفة ولم تشركه الوساطة القطرية – الدولية ، و لم ينل حتي مجرد شرف مباركة عملية إنطلاق التفاوض دعك عن الإسهام الفاعل في الحل .. وصمتت الخرطوم صمت القبور ..
مع إنطلاق المفاوضات بين الحكومة التشادية وحركات مسلحة وتنظيمات سياسية معارضة جمع بعضها بعد لأيٍ و تعنت كبيرين ( شاركت 13 حركة من اصل 52 مجموعة مسلحة وتنظيمات سياسية معارضة )، بالعاصمة القطرية الدوحة لم نلحظ تواجداً سودانياً مثل غيره من الدول الأفريقية ووفود بعض البلدان الغربية التي كانت حاضة وذات دور بارز ، وكان من المحزن ان نري علي واجهة الحدث دول أخري في المنطقة و أطراف دولية و أُشير في الجلسة الإفتتاحية إلي الادوار المهمة لليبيا و بلدان أفريقية أخري دون التطرق لأهمية الدور السوداني في الحوار التشادي – التشادي .
يعد السودان أهم دولة بالنسبة لجوار تشاد ، وتاريخياً لم يحدث أي تغيير للسلطة في أنجمينا منذ الإستقلال عام 1962 دون أن تمر جحافله عبر الاراضي السودانية منذ نشوء حركة فرولينا التشادية المعارضة في نيالا بجنوب دارفور 1966م ، وظل السودان حاضراً في كل مراحل الحرب والسلام في تشاد من عهد الرئيس ( فرانسوا تمبلباي 1962-1973)و الرئيس ( نغارتا تومبلباي 1973- 1975) و( نويل اودينغار الذي حكم يومين فقط من 13– 15 ابريل 1975 ) ثم ( فليكس مالوم 1975- 1979) و ( جكوني عويدي لأقل من شهر 23مارس – 29 ابريل 1979 ) و( محمد لول شوا 29 ابريل – 3 سبتمبر 1979 ) و عاد جوكوني للسلطة مرة أخري ( من سبتمبر 1979 – 1982) ثم إنقض علي السلطة ( حسين هبري من 1982- 1990 ) و أزاحه ( إدريس دبي 1990- 2021 م ) .
و بلغت ذروة التدخلات المباشرة بين البلدين وتأثير الخرطوم علي الوضع في تشاد خلال الثلاثين عاماً الماضية ، بهجوم كاسح للمعارضة التشادية ووصولها القصر الرئاسي بأنجمينا في فبراير 2008م، و كرد فعل توغلت حركة العدل والمساواة السودانية و وصلت العاصمة الخرطوم في مايو 2008م بدعم عسكري من أنجمينا و ليبيا القذافي ، و الإستثناء الوحيد في الصراعات علي السلطة داخل تشاد هو تحرك قوات حركة المعارضة التشادية ( جبهة الوفاق والتغيير FACT )من ليبيا في أبريل 2021 م الذي إنتهي بأحداث دراماتيكية حيث قتل الرئيس السابق الجنرال إدريس دبي في 19 ابريل 2021م خلال محاولته للتصدي لهذا الهجوم .
نعود لخلو مقعد للخرطوم في المفاوضات التي إنطلقت أمس بالدوحة ، فهذا الغياب المستغرب للسودان لا يمكن تفسيره بأنه مجرد غفلة أو تجاهل رسمي من السلطة الحاكمة في السودان أو قصور في تعاطي الدبلوماسية السودانية وتقديراتها وتفاعلاتها مع الامور في جوارها ، أو لربما عدم توجيه دعوة رسمية من الوساطة القطرية ، فالصحيح أنالمخطط الذي أنهي دور السودان بعد التغيير في 11 أبريل 2019 وما تلاه من تطورات ، كان من أهدافه حجب السودان ومنع تأثيره القاري و الإقليمي ، فقد تم بالفعل تغيير نظام سياسي ظل فاعلاً أفريقياً و له أدوار مؤثرة في القارة وصلاً بدورهالتاريخي و دعمه لحركات التحرر الأفريقية منذ 1956م وهبوب رياح الاستقلال في أنحاء وأرجاء افريقيا، و لا يخفي أن بعض القوي الدولية و الإقليمية لم تزل تسعي من قبل و بعد التغيير الذي حدث ، إلي ضرورة إنكفاء السودان علي نفسه وإنشغاله بجراحاته و تحجيم دوره ، و قدم قادته الجدد في المكونيين العسكري والمدني خدمة جليلة لهذه الأهداف ونجحوا في تجسيد حالة الإنعزال عن المجال الحيوي والمحيط القاري، وإنشغلوا بصراعاتهم الداخلية وتنفيذ المراد خارجيا ، و أفلتت من السودان فرص ثمينة كان يمكن أن تضاف إلي سجله المعروف في صناعة الأمن و الإستقرار و السلم في القارة الافريقية .
و الغريب في الأمر أن ( 31 )قيادياً يمثلون ( 12) حركة تشادية معارضة ، إجتمعوا في الخرطوم بفندق السلام روتانا يوم 13 ديسمبر 2021 م ، لتنسيق مواقفهم قبيل توجيه الدعوة إليهم للذهاب للدوحة للتفاوض مع الحكومة ، لم تنشغل بهم السلطات السودانية و لم يتصل بهم أحد رغم تواجد كثير من هؤلاء القادة بالخرطوم كمعارضين لاجئين ، و لم يحظوا الا بدعوة عشاء ذات طابع إجتماعي دعاهم اليها نائب رئيس مجلس السيادة ، و لم تتطرق البتة للأوضاع السياسية في تشاد و لا فرص نجاح المفاوضات التي كان أجلها قد إقترب .
بالعودة إلي علاقة السودان بالملف التشادي فإن جل الحركات التشادية التي ذهب بعضها الي الدوحة ، تباعدت الشقة بينها وبين الخرطوم مما يعني أن السودان خرج بالكامل من عملية إنتاج المستقبل الجديد في تشاد ، و رضي بأن يكون خارج الحلبة ، لا وجود له في دائرة التأثير ، و دخلت الملعب التشادي دول اخري مثل ليبيا ومصر و النيجر بوركينافاسو و بنين و توغو و الكونغو برازافيل والكونغو الديمقراطية والسنغال ومالي و أفريقيا الوسطي و الكميرون و نيجيريا ثم قطر وتركيا فضلاً عن فرنسا بدورها القديم المتجدد ، و لا يمكن للسودان بحكمالجوار والعامل التاريخي والتداخل القبلي والاجتماعي والثقافي و للأبعاد الجيوستراتيجية والسياسية الجديدة الناشئة في المنطقة الذي يقتضي حالياً ، إبعاد السودان من ملفات مهمة وإغراقه في حالته الخاصة وعملية إضعافه بالإنقسامات الداخلية و هُزال مؤسسات الدولة الفاعلة ، خاصة بعد تحطيم قدرات الدبلوماسية السودانية و العبث بوزارة الخارجية ، وإستهداف وسلب جهاز المخابرات السوداني عزيمته و نجاعه علاقاته في القارة بعد شيطنته و إضعاف و تحجيم دوره في الداخل والخارج .
من يتحمل هذا الإستصغار للشأن السوداني ، بعد أن كانت الخرطوم حتي 11 ابريل 2019 م محطة مهمة ومنارة سامقة في سبيل التوافقات الافريقية و تحرير القرار الافريقي ، وهنا أدوار الخرطوم في عهد الرئيس البشير مثل مشاركة السودان الفاعلة في حل القضية الصومالية والاوضاع المتردية فيي ليبيا عبر التعامل المباشر أو خلال منظومة دول الجوار الليبي ، و النجاح المنفرد لتحقيق السلام في جمهورية أفريقيا الوسطي التي وقع أطراف النزاع فيها إتفاقاً تاريخياً بالخرطوم مطلع العام 2019 م ، و دوره المستمر في قضية جنوب السودان في مختلف أطوارها ، هذا غير الأدوار الكبيرة التي لعبها في منطقة القرن الافريقي ومنطقة دول البحيرات العظمي و غرب أفريقيا و تطوير علاقات السودان التاريخية الراسخة مع دول الجنوب الأفريقي ، فضلاً عن مواقف السودان القوية التي شجعت القادة الأفارقة علي رفض التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية و صدور قرارين من الإتحاد الافريقي في قمتين كانتا بمثابة موقف تحصيني للقارة من عنصرية المحكمة المستهدفة فقط الافارقة . .
من المهم أن لا نتجاهل دورنا و علاقتنا القوية مع الجارة تشاد التي يهمنا مستقبلها و أمنها و سلامة ترابها ، فالترابط العضوي بين البلدين يفرض علينا أن نكون سباقين لتضميد جراح هذا البلد الجار ، و تحقيق تطلعات شعبه الشقيق في السلام والاستقرار ، فما يحدث الآن من غياب لا يشبهنا و لا نشبهه ..

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى