الحاج أحمد مصطفى يكتب.. شكيري… الجرح النازف والله لن نغفر

مرةً أخرى يكتب الدم السوداني فصلًا موجعًا من فصول هذه الحرب القاسية، ومرةً أخرى تسقط قرية آمنة ضحيةً لآلة العنف التي لا تفرّق بين مقاتلٍ ومدني. ففي هذا اليوم الحزين، ارتُكبت جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الجرائم التي أثقلت كاهل هذا الوطن، حين استُهدف مركز صحي ومدرسة في منطقة شكيري، فسقط العشرات بين شهيدٍ وجريح، وتحولت لحظات الحياة العادية إلى مأساة دامية. وشكيري، تلك القرية الواقعة في الشمال الغربي من مدينة الدويم، لم تكن يومًا ساحة حرب ولا موقعًا عسكريًا، بل كانت قريةً بسيطة يعيش أهلها حياة هادئة بين الحقول ومقاعد الدراسة ومآذن المساجد.لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة:
ما الذنب الذي جنته شكيري؟
وما الجريمة التي ارتكبها أهلها حتى يُقتل أبناؤها بالعشرات؟
لم يكن في المركز الصحي سوى مرضى ينتظرون الدواء، ولم يكن في المدرسة سوى طلابٍ يحملون دفاترهم وأحلامهم الصغيرة. غير أن الموت جاء فجأة، بلا رحمة، فحوّل مكان العلاج إلى ساحة نزف، ومكان العلم إلى مأتم مفتوح.
أكثر من عشرين شهيدًا ارتقوا في لحظاتٍ خاطفة، وعددٌ مماثل من الجرحى تركتهم الفاجعة بين الألم والذهول. ارتفعت الأرواح الطاهرة إلى بارئها شاكيةً ما أصابها من ظلم وعدوان، بينما بقيت القرية غارقةً في صدمةٍ لا توصف.
إن استهداف مدرسة ومركز صحي ليس مجرد حادث في سياق الحرب، بل جريمة أخلاقية وإنسانية مكتملة الأركان، لأن هذه الأماكن تمثل رموز الحياة نفسها: العلم والشفاء. وعندما تُقصف هذه الرموز، فإن الرسالة تكون واضحة: لا حرمة لشيء.
غير أن الألم لا يقف عند حدود الجريمة ذاتها؛ فالأكثر مرارة أن يخرج بيننا من يبرر هذه الأفعال أو يسعى لتجميلها، وكأن دماء الأبرياء يمكن أن تتحول إلى مادةٍ للمساومة السياسية أو الجدل الإعلامي. إن الدفاع عن قتل المدنيين وقصف المدارس والمراكز الصحية ليس رأيًا، بل سقوط أخلاقي كامل. اليوم تبكي شكيري أبناءها، وتبكي معها الدويم، ويبكي معها السودان كله. فدماء الأبرياء لا تُقاس بالأرقام، بل بوجع الأمهات، وبالبيوت التي فقدت أعمدتها، وبالقرى التي تحولت فجأةً إلى دفاتر عزاء.
سيظل سؤال شكيري معلقًا في ضمير هذا الوطن:
أي ذنبٍ اقترفته حتى تدفع هذا الثمن الفادح؟
لكن ما نعلمه يقينًا أن دماء الأبرياء لا تضيع، وأن ذاكرة الشعوب لا تنسى. وسيأتي يوم يُفتح فيه هذا الملف، ويُسأل فيه كل من تورط أو برر أو صمت.وحتى ذلك اليوم، سيبقى جرح شكيري مفتوحًا في قلب كل سوداني..
وجراح الأوطان لا تُنسى، ودماء الأبرياء لا تُغفر.