د. هيثم حسن عبدالسلام يكتب.. منتجات آمنة… مستهلكون واثقون

مهد الحروف
mismawia@yahoo.com
في الخامس عشر من مارس من كل عام يقف العالم عند محطة مهمة تُعنى بالإنسان في أبسط وأعمق أدواره اليومية: دوره كمستهلك. إنه اليوم العالمي لحقوق المستهلك، اليوم الذي تتجدد فيه الدعوة إلى ترسيخ مبادئ العدالة في الأسواق، وضمان سلامة المنتجات، وتمكين المستهلك من حقه في المعرفة والاختيار والأمان. وليس من قبيل المصادفة أن يأتي شعار هذا العام “منتجات آمنة، مستهلكون واثقون”، فالأمان في المنتج هو الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين المستهلك والسوق.
ففي عالم تتلاطم فيه أمواج حركة التجارة، وتتقاطع فيه سلاسل الإمداد بين القارات، لم تعد سلامة المنتجات قضية فنية أو رقابية فحسب، بل أصبحت قضية اقتصادية وإنسانية وتنموية في آن واحد. فكل منتج غير آمن لا يهدد صحة المستهلك فقط، بل يقوض الثقة في السوق، ويضعف الاقتصاد، ويعطل حركة التجارة العادلة.
وفي السودان، يأتي الاحتفال هذا العام بطعم مختلف، في ظل ظروف الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على حياة الناس وعلى بنية الاقتصاد والخدمات. فقد تأثرت سلاسل الإمداد، وتضررت بعض المرافق الإنتاجية والخدمية، وواجه المستهلك تحديات غير مسبوقة في الحصول على السلع الأساسية بصورة مستقرة وآمنة. وفي مثل هذه الظروف يصبح الحديث عن حماية المستهلك ليس ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة وطنية تتعلق بحماية صحة الناس واستقرار المجتمع.
لقد أثبتت التجارب أن الأزمات، مهما كانت قاسية، تكشف كذلك عن فرص لإعادة البناء بصورة أفضل. فمرحلة ما بعد الحرب في السودان لن تكون مجرد عودة إلى ما كان، بل فرصة لإرساء أسواق أكثر انضباطًا، ومنتجات أكثر أمانًا، ونظم رقابية أكثر كفاءة. وهنا تبرز أهمية المواصفات القياسية والرقابة الفنية باعتبارها أحد أعمدة إعادة الإعمار الاقتصادي، لأنها تضمن أن تدخل الأسواق منتجات مطابقة، وتحمي المستهلك من الغش والرداءة، وتفتح في الوقت ذاته أبواب التنافسية أمام المنتجات الوطنية في الأسواق الإقليمية والعالمية.
ولا يختلف المشهد كثيرًا في محيطنا العربي، حيث تشهد المنطقة صراعات متعددة تركت آثارًا عميقة على القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية وسلاسل الإمداد. فقد تعطلت مصانع، وتضررت مزارع، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي انعكس في شكل ارتفاع للأسعار، وتذبذب في توفر بعض السلع، وتزايد في مخاطر دخول منتجات غير مطابقة إلى الأسواق.
هذه التحديات لا تقف عند حدود الدول المتأثرة بالصراع، بل تمتد آثارها إلى العالم بأسره، لأن الاقتصاد العالمي أصبح شبكة مترابطة. فأي اضطراب في الإنتاج أو النقل في منطقة ما قد يؤدي إلى نقص في الإمدادات، أو ارتفاع في الأسعار، أو تغير في أنماط التجارة العالمية. ولذلك فإن تعزيز سلامة المنتجات وجودتها لم يعد شأنًا محليًا، بل مسؤولية دولية تتطلب التعاون بين الحكومات والمؤسسات الرقابية والقطاع الخاص ومنظمات المستهلكين.
وفي سياق التفاعل مع هذه المناسبة العالمية، أتابع باهتمام مجريات الحملة المشتركة التي أطلقتها ثلاث عشرة جمعية عربية لحماية المستهلك، وهي مبادرة تعكس يقظة المجتمع المدني العربي وإدراكه لحجم التحديات التي يواجهها المستهلك في الأسواق. كما يلفت الانتباه الدور النشط الذي تضطلع به Consumers International في تنسيق الجهود العالمية وتعزيز قضايا سلامة المنتجات وحقوق المستهلكين عبر مختلف دول العالم . غير أن ما يثير الاستغراب هو الغياب اللافت لدور الاتحاد العربي للمستهلكين، وكذلك صمت الفريق العربي من المختصين في مجال حماية المستهلك التابع لـ جامعة الدول العربية، في وقت يبدو فيه المستهلك العربي أحوج ما يكون إلى حضور هذه الكيانات وتفعيل أدوارها التنسيقية والفنية للدفاع عن حقوقه وتعزيز حمايته في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة في المنطقة.
إن شعار هذا العام يذكّرنا بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: لا يمكن أن يكون هناك مستهلك واثق دون منتج آمن. فالثقة في السوق لا تُبنى بالكلمات، بل بالالتزام بالمواصفات والمعايير، والشفافية في المعلومات، والرقابة الفاعلة، والمسؤولية المجتمعية للمنتجين والموردين.
كما أن حماية المستهلك ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل هي أيضًا مسؤولية المستهلك نفسه من خلال الوعي والاختيار الرشيد والإبلاغ عن المخالفات، لأن السوق العادل يقوم على شراكة بين المنتج والمستهلك والجهات الرقابية.
وفي نهاية المطاف، يبقى المستهلك هو محور التنمية وغايتها. فإذا كان المنتج الآمن يحمي صحته اليوم، فإن السوق المنضبط يبني ثقته في الغد، ويصنع اقتصادًا أكثر استقرارًا وعدالة.
وفي يومه العالمي، يستحق المستهلك أن نعيد التأكيد على حقه في الأمان، والمعرفة، والاختيار، والعدالة. فحين تكون المنتجات آمنة… يصبح المستهلك واثقًا، وعندما يثق المستهلك… ينهض الاقتصاد وتستقيم الأسواق.
حرف أخير:
نسأل الله الرحمة والمغفرة والعتق من النار لمن كانوا حراسا للمستهلك من لدن د. عبد القادر محمد عبد القادر و بروفسير حربي ودكتور يس الدسوقي والبروفسير ميرغني بن عوف واستاذنا الطاهر بكري.. لهم الرحمة والمغفرة.