بروفيسور محمد حسن دهب يكتب.. تجربتي مع الهيكل الراتبي لأعضاء هيئة التدريس في الجامعات السودانية: بين الممكن والضروري

لم تكن قضية الهيكل الراتبي لأعضاء هيئة التدريس في الجامعات السودانية مجرد مطلب فئوي، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية أحد أهم أعمدة استقرارها: التعليم العالي.
عندما توليت مهام وزير التعليم العالي والبحث العلمي في فبراير 2022، كان المشهد بالغ التعقيد؛ إذ كانت الدراسة متوقفة في معظم الجامعات الحكومية، والعمل معطلاً في رئاسة الوزارة، في ظل حالة شلل مؤسسي واضحة، وكان ملف الهيكل الراتبي لأعضاء هيئة التدريس يتصدر هذه الأزمة.
منذ البداية، كان واضحاً أن الحل لا يمكن أن يكون سريعاً أو أحادياً. فالملف يرتبط بتشابكات مؤسسية ومالية، تتداخل فيها وزارة التعليم العالي مع وزارة المالية ومجلس الوزراء. وقد بدأتُ التحرك على مسارات متوازية، شملت الاجتماعات مع ممثلي هئية التدريس و مجلس الوزراء واللجنة الفنية، إضافة إلى نقاشات مطولة ومتكررة مع وزارة المالية.
غير أن موقف وزارة المالية، الذي أوضحت فيه عدم معنيتها المباشرة بالهيكل، حيث حصرت دورها في تقديم دعم سنوي للوزارة، والذي بلغ في ميزانية 2022 نحو 36 مليار جنيه. ورغم طرح عدة مقترحات، من بينها التنفيذ المرحلي، لم يتم التوصل إلى توافق، مما أدى إلى تعثر الملف في تلك المرحلة.
في ظل هذا التعثر، تم تصعيد القضية إلى مستويات أعلى، حيث عُقدت عدة اجتماعات متكررة مع أعضاء المجلس السيادي، خاصة المشرفين على قطاع التعليم العالي، تم خلالها عرض تطورات الملف بشكل تفصيلي ومناقشة التحديات المختلفة. كما تم نقل الملف لاحقاً إلى رئاسة الدولة.
وقد أفضى هذا الحراك إلى تحول مهم في مسار الملف، تمثل في تبني مبدأ التنفيذ التدريجي، حيث وجّه رئيس مجلس السيادة برفع الدعم المخصص للوزارة إلى نحو 80 مليار جنيه لتنفيذ الهيكل.
وقد تُوِّج هذا المسار بصدور قرار مجلس الوزراء رقم (90) لسنة 2022 ، والذي نص على تنفيذ هيكل راتبي انتقالي، مع الالتزام بالوصول إلى الهيكل الأنسب في ميزانية 2023.
وقد شكل تنفيذ هذا القرار نقطة تحول حقيقية، حيث ارتفع راتب الأستاذ (البروفيسور) من حوالي 60 ألف جنيه إلى 508 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 1100 دولار آنذاك. وأسهم ذلك بشكل مباشر في استئناف الدراسة واستقرار العملية التعليمية نسبياً، رغم الظروف الصعبة.
وفي ظل عدم إدراج الهيكل النهائي في ميزانية 2023، صدر قرار من مجلس الوزراء رقم (115) لسنة 2023 بتشكيل لجنة متخصصة تضم ممثلين عن الجهات المعنية، لوضع الصيغة النهائية للهيكل الراتبي المعدل ولائحة شروط خدمة لأعضاء هيئة التدريس.
وفي موازاة ذلك، فرضت الحرب واقعاً أكثر تعقيداً، حيث توقفت العملية التعليمية وتضررت بنية عدد من الجامعات. ومع ذلك، أظهرت مؤسسات التعليم العالي مرونة كبيرة، من خلال تبني حلول مبتكرة، شملت التعليم الإلكتروني، واستضافة الجامعات المتأثرة، وفتح مراكز خارج البلاد. كما واجه العاملون في القطاع تحديات اقتصادية صعبة، من بينها استقطاع جزء من المرتبات، وهو ما قوبل بروح وطنية عالية ومع تحسن الأوضاع نسبياً، أُعيدت المرتبات إلى وضعها السابق، مع استمرار الجهود لتحسينها بما يتناسب مع الواقع المعيشي.
ورغم أن الحرب أدت إلى توقف أعمال اللجنة لفترة، إلا أنها استأنفت أعمالها لاحقاً، وتمكنت من استكمال مهامها بالكامل خلال الفترة 2024–2025، حيث أعدت مقترح الهيكل الراتبي المعدل ولائحة شروط الخدمة بصورة متكاملة، وقامت برفع توصياتها إلى الجهات المختصة لإجازتها تمهيداً للتنفيذ.
تعكس هذه التجربة مساراً طويلاً من العمل المؤسسي، الذي تحرك عبر مستويات متعددة. كما تؤكد أن التدرج في الحلول كان وما زال خياراً واقعياً تفرضه الظروف، لكنه يظل بحاجة إلى استمرارية والتزام حتى يحقق أهدافه كاملة.