د. أماني أحمد خالد تكتب.. عودة شريان الشمال… وعودة الحياة

دُرّة زمن
قال الله تعالى في محكم تنزيله:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (سورة المعارج)
هكذا هو الإنسان؛ تتقاذفه المشاعر بين الخوف والرجاء. وحين اندلعت الحرب اللعينة في السودان، شعر الناس بالهلع، وتبعثرت الأحلام والآمال، وأصبح البحث عن الأمان رحلة شاقة، تتخللها المخاطر والمعاناة.
لقد أُغلقت الطرق البرية التي كانت تصل بين الولايات، وأصبح التنقل عبئًا ثقيلاً على المواطنين. وكان طريق شريان الشمال – الذي كان يربط إنسان الخرطوم بالولاية الشمالية في ساعات معدودة – واحدًا من أكثر الطرق تأثرًا، حيث اضطر الناس إلى سلوك طرق بديلة تستغرق أيامًا بدلا عن الساعات ، بحثًا عن السلامة.
لكن، وبفضل الله، ثم بصمود الرجال في القوات المسلحة وكل الجبهات التي ضحّت من أجل بقاء الوطن، بدأت الحياة تعود من جديد. وعاد الأمل يدبّ في النفوس، كما دبت الروح في الطرقات، ليعود الناس إلى أسفارهم وهم يملؤهم الفرح بهذا الإنجاز.
وأنا واحدة من مرتادي هذا الطريق، وقد ذقتُ مرارة البعد وطول المسافات خلال سنوات الحرب، حتى منّ الله علينا جميعًا – في عيد الفطر من هذا العام – بنعمة الأمن وسهولة الوصول عبر طريق شريان الشمال من دنقلا للخرطوم ، فكان شعورًا لا يوصف، ونعمة تُحمد.
إن عودة شريان الشمال ليست مجرد فتح طريق، بل هي عودة للحياة بكل معانيها؛
عودة للنبض الاقتصادي، وللتواصل الاجتماعي، وللأمل الذي يسكن قلوب السودانيين.
فهذا الطريق ظلّ رابطًا حيويًا بين العاصمة والولايات الشمالية، يعتمد عليه المواطن في تنقله، والتاجر في توريد بضائعه، والمزارع في تسويق إنتاجه. ومع توقفه، تأثرت حياة الناس بشكل مباشر، فتراجعت التجارة، وتعاظمت معاناة السفر.
واليوم، ومع عودة الأمن والاستقرار، عادت القوافل تسلك الطريق، وعادت الشاحنات محمّلة بالخيرات، وعادت البصات تقلّ المسافرين الذين طال شوقهم لأهلهم وذويهم وبيوتهم
. إنها مشاهد تحمل دلالات عميقة على تعافي الدولة، وقدرتها على تجاوز المحن
تمثل عودة الطريق بشارةً بانتعاش اقتصادي مرتقب، من خلال انسياب السلع، وتوفرها بشكل أفضل، مما يسهم في تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن. كما تفتح الباب أمام المستثمرين لاستئناف أعمالهم، وتعزز الثقة في بيئة الإنتاج.
أما على الصعيد الإنساني، فكم من أسرة فرقتها الظروف، وكم من مريض تعذر عليه الوصول إلى العلاج، وكم من طالب تعطلت مسيرته التعليمية. واليوم، يعود الطريق ليختصر المسافات، ويجمع الشمل، ويعيد ترتيب تفاصيل الحياة.
إن شريان الشمال ليس مجرد طريقٍ معبّد، بل هو رمز لوحدة السودان، وجسر يربط أطرافه، وشاهد حيّ على صمود شعبه. وعودته تؤكد أن الإرادة الوطنية قادرة على إعادة البناء، وأن الحياة قادرة على أن تزهر من جديد مهما اشتدت الأزمات.
إن الحفاظ على هذا الإنجاز مسؤولية الجميع؛
من الجهات المختصة في تأمين الطريق وصيانته،و إلى المواطنين في الالتزام بقوانين المرور، والمحافظة على الممتلكات العامة.
فشريان الشمال ملك لكل سوداني، واستمراريته أمانة في أعناق الجميع.
ختامًا
عاد الطريق… وعادت معه الحياة.
فلنقابل هذه النعمة بسجدة شكرٍ لله رب العالمين.
ودمتَ يا وطني رمزًا للعزة والشموخ،
وعشتَ يا سودان حرًا أبيًا.