حين يهز الهلال الأحمر جدران الصمت

*لم تكن ورشة جمعية الهلال الأحمر السوداني بمدينة سنكات مجرد فعالية تنظيمية عابرة أو بروتوكول إداري لتمرير الوقت، بل بدت أقرب إلى لحظة مواجهة حقيقية مع الذات، مواجهة وضعت المؤسسة الإنسانية الأكبر في البلاد أمام سؤال بالغ القسوة.. هل ما زال الهلال الأحمر بيتا لكل السودانيين، أم أنه تحول مع الزمن إلى جزر مغلقة تحكمها عقلية الاحتكار والكراسي الأبدية؟
*في المدينة التي لا تعرف الانحناء_سنكات_، جاءت الكلمات هذه المرة مختلفة، صريحة، حادة، وعارية من المجاملة.
*وحين تحدث د. عبدالرحمن بالعيد عن بدايات الحركة الدولية للصليب والهلال الأحمر، لم يكن يستعرض تاريخا محفوظا بقدر ما كان يدق ناقوس المراجعة.حيث أشار بوضوح إلى أن السودان كان يملك خمسة عشر ممثلا داخل اللجنة الدولية، ثم تقلص العدد إلى ثلاثة، قبل أن يصبح ممثلا واحدا فقط، في إشارة مؤلمة إلى حجم التراجع الذي أصاب المؤسسة ودورها الخارجي.
*لكن الرسالة الأهم جاءت حين أعلن أن الجمعية بدأت ولأول مرة نشر المراجعين في كل ولايات السودان، في خطوة تهدف إلى إنهاء العبث بالمال العام، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، إلى جانب ما وصفه بـ”ثورة تشريعية” ولوائح جديدة ستقوم على الكفاءة والنزاهة، لا على الجهوية والولاءات الضيقة.
* كلمات حملت ملامح مشروع إصلاح حقيقي يعيد تعريف العمل الإنساني باعتباره واجبا أخلاقيا لا امتيازا دائما.
*أما مدير الاتحاد الدولي بالسودان، فقد جاء حديثه كصفعة مباشرة لثقافة الاتكال المزمنة، حين أكد بوضوح أن الاتحاد “داعم لا منفذ”. وهي رسالة تختصر حقيقة مرة.. لا مؤسسة تستطيع أن تعيش إلى الأبد على أكتاف الآخرين، ولا كيان إنساني يملك مستقبله إذا فقد قراره وكفاءته وقدرته على إدارة نفسه بنفسه.
*لكن الحقيقة الأكثر إيلاما ظهرت حين اقترب النقاش من أرض الواقع، فالأزمة الحقيقية التي تضرب العمل الإنساني في السودان ليست شح المال بقدر ما هي انهيار الثقة. والثقة لا تبنى بالشعارات ولا بالبيانات الرنانة، وإنما بالشفافية، والنزول إلى الناس، ومشاركة آلامهم في خنادق المعاناة لا خلف المكاتب المكيفة.
*لقد بدا واضحا أن السودان الجريح لم يعد يحتمل المزيد من المجاملات الإدارية أو الصراعات الخفية داخل المؤسسات الإنسانية. فإما أن يكون الهلال الأحمر مرآة حقيقية لوجع الناس، أو يتحول إلى هيكل بيروقراطي يبحث عن الامتيازات في زمن الانهيار الوطني الكبير.
*ومن سنكات، يبدو أن الطريق قد بدأ بالفعل، طريق الإصلاح الصعب الذي لا يحتمل أنصاف الحلول. فالجلسة الافتتاحية وما أعقبها من نقاشات عميقة حول العلاقة بين الصليب والهلال، أكدت أن العمل الإنساني الحقيقي لا يعرف لونا ولا عِرقا ولا سياسة، بل يعرف الإنسان فقط، ويحاول انتشاله من قاع المأساة إلى مساحة الأمل.
*وتتواصل الورشة غدا حاملة مزيدا من المعارف والتجارب التي يمكن أن تتحول إلى زاد فكري وإنساني للمشاركين، لينقلوا ما تعلموه إلى ولاياتهم المختلفة، خدمة لفكرة واحدة لا تزال قادرة على إنقاذ ما تبقى من هذا الوطن.. أن الإنسان أولا… وأخيرا.