الدبلوماسية الإنسانية

*ظل كثيرون وأنا منهم، يعتقدون أن الهلال الأحمر يرتبط بالعالم الإسلامي، بينما يمثل الصليب الأحمر الدول الأخرى، لكن الحقيقة التي تكشفها التجارب والتاريخ أن الأمر أبعد ما يكون عن الدين أو العرق أو اللغة.
*فالهلال والصليب مجرد شارات إنسانية ولدت لحماية الإنسان أينما كان، دون تمييز أو انحياز.
*المهمة التي تنتظر رؤساء لجان التسيير بفروع الهلال الأحمر السوداني ليست سهلة، فالطريق أمامهم مليء بالتحديات، خصوصا بعد ما كشفت عنه حرب أبريل من أخطاء كارثية في فهم طبيعة العمل الإنساني ورسالة المتطوعين.
* الهلال الأحمر لا يحمل بندقية، بل يحمل رسالة نجدة، لكن كثيرين لم يدركوا ذلك وسط ضجيج الحرب.
*في هذه الحرب سقط متطوعون شهداء أثناء أداء واجبهم الإنساني، بسبب غياب الوعي بثقافة وشارة الهلال الأحمر لدى بعض عناصر المليشيا. والمأساة أن هذه الانتهاكات لم تكن استثناء سودانيا، فقد تكررت في غزة، وظهرت كذلك في الحرب الروسية الأوكرانية، ما يؤكد أن أزمة احترام العمل الإنساني أصبحت أزمة عالمية، وأن مسؤولية نشر ثقافة القانون الإنساني لا تقل أهمية عن تقديم الغذاء والدواء.
*في اليوم الثاني لورشة سنكات، بدا المشهد مختلفا وأكثر عمقا. هناك انفتحت الأبواب أمام مفهوم “الدبلوماسية الإنسانية”، ذلك المصطلح الذي أسسه السويسري هنري دونان حين استخدم قوة الإقناع والحوار لإقناع الدول بضرورة حماية المدنيين وإنشاء كيان إنساني عالمي يقف فوق الحروب والانقسامات. كانت دبلوماسية ناعمة، لكنها أكثر تأثيرا من كثير من أدوات السياسة التقليدية.
*المدرب سامي مهدي نجح في تقديم خلاصة مكثفة وعميقة لهذا المفهوم خلال ساعة واحدة، رغم أن الموضوع يحتاج لأيام لفهم أبعاده الكاملة. غير أن أسلوبه السلس وقدرته على تبسيط الفكرة جعلا الحاضرين يدركون جوهر الدبلوماسية الإنسانية وكيف يتحرك متطوع الهلال الأحمر وسط النزاعات بعقل الحكمة ولسان الإنسانية.
*ومع هذا الطرح أصبحت العلاقة بين الحوكمة والجهاز التنفيذي أكثر وضوحا، فكلاهما يعمل من أجل خدمة المواطن، لكن باختلاف الأدوار والوسائل. فالحوكمة ترسم الطريق، والجهاز التنفيذي يمضي فيه نحو الناس.
*ورشة سنكات لم تكن مجرد محاضرات عابرة، بل بدت كأنها محاولة جادة لإعادة تعريف العمل الإنساني في السودان، وترسيخ ثقافة جديدة تقوم على الوعي، والشفافية، واحترام الرسالة الإنسانية. ولهذا يمكن القول بثقة إن اليوم الثاني من الورشة كان الأكثر عمقا وتأثيرا، والأغنى بالمعلومات، وربما يكون بداية لفهم جديد يحتاجه السودان أكثر من أي وقت مضى.