محمد آدم عربي يكتب.. حين تنتصر المؤسسية

ليست كل الثورات تصنع في الشوارع، فبعضها يبدأ من داخل المكاتب، ومن بين أوراق القوانين واللوائح، حين تدرك المؤسسات أن البقاء لا تحميه الشعارات وحدها، بل تحميه القواعد التي تنظم العمل وتصون الحقوق وتمنع الفوضى.
ما يجري داخل الهلال الأحمر السوداني اليوم يمكن وصفه بلا تردد بأنه ثورة تشريعية حقيقية، ليس لأنها أضافت لوائح جديدة فحسب، بل لأنها أعادت الاعتبار لفكرة المؤسسة نفسها، بعد سنوات طويلة من العمل وسط فراغ قانوني مقلق منذ إلغاء القانون السابق في عام 2020.
أن تعمل جمعية بحجم الهلال الأحمر السوداني، وبهذا الامتداد الدولي والإنساني، دون قانون يحكمها، فذلك لم يكن مجرد خلل إداري، بل ثغرة تهدد الاستقرار المؤسسي وتفتح الباب للاجتهادات والتضارب وضعف الحوكمة. ولهذا فإن التحرك الذي قادته لجنة التسيير لمعالجة هذا الملف لم يكن ترفا تنظيميا، وإنما ضرورة لبقاء المؤسسة واستعادة هيبتها.
القيمة الحقيقية لأي قانون لا تكمن في الأوراق المختومة، وإنما في الفلسفة التي تقف خلفه. والرسالة الواضحة من هذه الخطوة أن الهلال الأحمر يريد الانتقال من مرحلة الإدارة بردود الأفعال إلى مرحلة الإدارة بالمؤسسية والتخطيط والشفافية.
الأمر اللافت أن الإصلاح لم يتوقف عند إعداد قانون جديد، وهو ليس مجرد أوراق تنتظر الاجازة من مجلس الوزراء، بل يمتد إلى بناء منظومة لوائح متكاملة تنظم عمل اللجنة والمتطوعين والعاملين والتدريب وتنمية الموارد. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن المؤسسات لا تنهار غالبا بسبب نقص الشعارات، وإنما بسبب غياب اللوائح التي تضبط التفاصيل الصغيرة.
في أوقات الحروب والأزمات تتضاعف أهمية المؤسسات الإنسانية، لأنها تصبح الملاذ الأخير للناس، وحين تكون هذه المؤسسات نفسها ضعيفة تنظيميا فإن ذلك ينعكس مباشرة على قدرتها في خدمة المواطنين وحماية المتطوعين والعاملين فيها.
تصريحات رئيس لجنة التسيير د. عبد الرحمن بلال بلعيد، والأمين العام د. أحمد الطيب، تكشف أن هناك إدراكا حقيقيا بأن المعركة المقبلة ليست معركة إغاثة فقط، بل معركة بناء مؤسسة محترمة وقادرة على العمل وفق معايير الحركة الدولية التي ينتمي إليها الهلال الأحمر السوداني.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى المساعدات الإنسانية، بل يحتاج أيضا إلى مؤسسات قوية تحترم القانون وتؤمن بالحوكمة والشفافية. ولذلك فإن ما يحدث داخل الهلال الأحمر السوداني يتجاوز حدود الجمعية نفسها، لأنه يقدم نموذجا نادرا لمؤسسة تحاول أن تعالج أزماتها من الجذور، لا بالمسكنات المؤقتة.
وحين تعود المؤسسية، يعود معها الاحترام والثقة والقدرة على الاستمرار.