أخبار عاجلةمقالات

عبد الماجد: صوت الحق المحبوس

 

​▪️ تضيق الخرطوم حين يغيب عنها صوتٌ نذر نفسه ليكون نبضاً لشارعها، ليصبح اعتقال كاتب بقامة الأستاذ عبد الماجد عبد الحميد جرحاً غائراً في ذاكرة الصحافة الوطنية، فنحن هنا لا نكتب دفاعاً عن مهنة بقدر ما نكتب وفاءً لموقفٍ ثابت، فالكلمة التي لا تجد حريتها في جوف الوطن تصبح غصة في الحلق، والعدالة حين تغيب عن أصحاب الأقلام الشريفة تفقد الدولة بريقها في أعين أبنائها المخلصين.
​▪️ عرفنا عبد الماجد في أشد أيامنا سواداً؛ حين كان هدير رصاص معركة الكرامة يملأ الآفاق، فلم يختبئ خلف الحياد الزائف، بل حمل قلمه كالسيف في خندق الجيش؛ فذلك الموقف لم يولد من رحم المجاملات، بل كان صرخة رجلٍ يرى وطنه يُستباح، فقرر أن يكون لسانه وسلاحه، متحدياً كل من حاول النيل من هيبة البلاد أو التطاول على تاريخها في لحظات ضعفها وانكسارها.
​▪️ من يقلب سجل هذا الرجل، يدرك أن المبادئ عنده ليست حبراً على ورق، بل دماء تجري في العروق؛ فقد رأيناه صامداً كالطود حين تبدلت الوجوه وتغيرت المواقف، ورأينا غيره يتلونون كالحرباء بحثاً عن دفء السلطة أو سلامة المراكب، بينما بقي هو على عهده يكتب بصدقٍ مرير وبحبرٍ امتزجت فيه آلام الوطن بآماله، مما جعله حاضراً في قلوب الناس الذين يميزون بين صوت الحقيقة وأصوات الضجيج.
​▪️ اعتقال زميلنا في قلب الخرطوم، المدينة التي روت ترابها دماء شبابنا في المقاومة والجيش، يضعنا أمام سؤال لا يجد إجابة في ميزان العقل؛ فكيف نكافئ القلم الذي ظل يدافع عن وجودنا بأن نضيق عليه سبل التنفس؟ دماء الشهداء تستنهض فينا روح الحرية، وتدفعنا للتمسك بحقوق من بذلوا أرواحهم، بدل تضييق الخناق على من حملوا همومنا في أصعب الظروف وأقساها.
​▪️ هذا الصوت الذي عبر عنه الاتحاد العام للصحفيين السودانيين كان نبضاً يعبر عن وجع المهنة حين طالب بالحرية للزميل عبد الماجد، فموقفه هذا يجسد إدراكاً عميقاً بكون الأمن الوطني يبدأ من احترام الكلمة؛ فإذا كان هناك عتاب أو ملاحظة، فإن رصيد الرجل الوطني وأفعاله التي ملأت الدنيا حضوراً تشفع له وتدعو لإكرامه لا لتقييده، فالمواقف الصلبة التي خاضها الزميل كفيلة بأن تطفئ أي سوء فهم عابر.
​▪️ ميثاق الشرف المهني سيظل سياجنا ومرجعيتنا، لكن الصحافة ليست طقوساً جامدة، بل هي نبض حياة؛ فالتزامنا بالمهنية لا يعني أن نصبح صمتاً مطبقاً أمام قضايا الأمة، فالمصداقية تُبنى بالثقة والاحتواء لا بالترهيب، وحين نخطئ، فإن ساحات القضاء هي المكان الذي نلتقي فيه لا غرف المجهول، فدولة القانون التي نحلم بها لا تُبنى بكسر أقلام أصدقائها.
​▪️ الدول لا تقاس بما تملك من قوة، بل بما تملك من حكمة في التعامل مع أبنائها؛ فإطلاق سراح عبد الماجد ليس تراجعاً، بل هو انتصار لروح الدولة التي تسع الجميع، وبرهان على ثقة المؤسسة بنفسها، فنحن نريد دولة تمارس سلطتها بالعدل لا بالهيبة المصطنعة، دولة تستوعب النقد بمسؤولية، وتدرك أن الاعتقال يزيد المسافة اتساعاً بين الحاكم والمحكوم.
​▪️عموما… نرفع نداءنا هذا بكل صدق، والقلوب تتطلع لرؤية الزميل الحبيب عبد الماجد عبد الحميد بيننا ليكمل رسالته في معركة الكلمة والوعي، فالسودان اليوم في أمس الحاجة لقلمه ولكل قلم نبيل لا يعرف الانحناء؛ لذا نناشد أصحاب القرار أن يغلبوا صوت الحكمة، ويضعوا نصب أعينهم أن الحق هو الضمان الوحيد لاستقرار الدولة، وأن صوت الحقيقة مهما حُبس سيظل يتردد في سماء هذا الوطن.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى