أخبار عاجلةمقالات

انواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار- الحلقة 51

 

صمود وخيانة

​▪يبرز بوجع عميق مشهد صمت بعض النخب والقيادات أمام أهوال الحرب، كخيانة واضحة لدورهم التاريخي والأخلاقي في حماية الناس ودرء المخاطر عن قضاياهم، وسط دهشة الشارع الذي انتظر كلمة صدق وموقفاً شجاعاً يبدد عتمة الطريق وينقذ البلاد من فوضى التخبط التي تهدد بقاء الأمة واستقرارها، وتضيع معها معالم الأمل في مستقبل آمن ومستقر لأجيال المستقبل التي ترقب بحسرة هذا السقوط المريع لرموز الفكر والثقافة والسياسة الذين طالما ظنتهم درعاً حصيناً يذود عن حياض الوطن وكرامة أبنائه العزل في مواجهة العواصف الهوجاء.
​▪تعكس حالة انكفاء بعض المثقفين وأصحاب الرأي والسياسة أمام هول الفاجعة هروباً مفضوحاً من مواجهة الواقع وتخلياً سافراً عن الأمانة الوطنية في أقسى منزلق تمر به البلاد منذ استقلالها، متحصنين خلف صمت رمادي ومواقف باهتة لا تخدم سوى المستبدين والطامعين في ثروات ومقدرات أرض الآباء والأجداد، متناسين أن الكلمة الحرة والموقف الفكري والسياسي الرصين في مثل هذه المنعطفات التاريخية الحاسمة هو طوق النجاة الوحيد وليست ترفاً لغوياً يمكن الاستغناء عنه حين تشتعل نيران الفتنة وتتكسر على صخرتها أحلام الملايين من المواطنين الأبرياء الذين يكتوون بنار التشريد والضياع.
​▪في المقابل، هبت المنابر الدينية في مناطق سيطرة الدولة تقف صفاً واحداً مع الجيش والقوات المساندة له؛ بالدعاء الصادق والدفع المعنوي لرد العدوان والظلم، لتكون درعاً روحياً يحمي المرابطين في ثغور العزة ويصد عن الوطن مخططات الانهيار والتقسيم التي تحاك في غرف الظلام الإقليمية والمحلية، مؤكدة بوضوح لا لبس فيه أن دور العبادة والمنار الديني الحقيقي لا يمكن أن ينفصل بحال من الأحوال عن هموم الأمة وقضاياها المصيرية في لحظات الدفاع عن العرض والأرض والسيادة الوطنية المستباحة بفعل آلة الحرب الغاشمة.
​▪أما في مناطق سيطرة التمرد، فقد جندت المليشيا منابرها لتهييج النعرات القبلية وغزو مدن الوسط والشمال تحت شعارات كاذبة تستغل التهميش المزعوم، لتحويل الصراع إلى محرقة مجتمعية تهدم النسيج الاجتماعي وتدمر كل بنى الدولة ومكتسبات الإنسان السوداني الذي كابح طويلاً ضد الظلم والطغيان، ساعية عبر هذا التجييش العنصري الأعمى إلى تمزيق عرى الترابط التاريخي بين مكونات المجتمع السوداني المتجذرة في عمق الوجدان الإنساني والحضاري منذ آلاف السنين لصالح أجندة خارجية رخيصة.
​▪تورط بعض محسوبي النخب الفكرية والسياسية في تسويق مبررات واهية لجرائم المليشيا خلف واجهات سياسية زائفة تكشف عقمهم الفكري وانفصامهم الكامل عن أوجاع إنسان السودان الذي يواجه أبشع صنوف التنكيل والإبادة والتهجير على أيدي المرتزقة ومن لف لفيفهم من مستباحي الديار والحرمات، مستبدلين الموقف الوطني المخلص بصفقات مشبوهة وخطابات هزيلة تتبنى رواية الجلاد في محاولة بائسة لتزيين القبح التاريخي وتبرير الدمار الممنهج الموجه ضد البنية التحتية والمواطن الأعزل.
​▪بلغ الأمر بهؤلاء المنتسبين للنخب السياسية والثقافية مبلغاً جعلهم أشد ملوكاً من الملك نفسه في تبرير الفظائع وتزيين القبيح بلا وازع من ضمير أو خلق، متجردين من كل عاطفة إنسانية وهم يشاهدون دماء الأبرياء تسيل وتغرق الشوارع وتُنتهك الأعراض وتُدمر البيوت دون أن يرف لهم جفن أو يتحرك فيهم وشيج من انتماء وطني حقيقي، متخذين من المنابر الإعلامية مساحات للتشكيك في تضحيات الجيش والشعب والتقليل من حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها النازحون واللاجئون في مختلف أصقاع البلاد وخارجها.
​▪أفرز هذا التواطؤ المخزي سقوطاً أخلاقياً ذريعاً لنخب تحولت من مصابيح هداية إلى مجرد متفرجين صامتين أو أبواق رخيصة تبرر القتل والنهب والسلب واغتصاب الحقوق في كل مدن السودان المنكوبة، بينما يفتقر الضحايا لأبسط سند من أبناء جلدتهم الذين انشغلوا بتحقيق المكاسب الشخصية والحظوة السياسية الزائفة على حساب دماء الشهداء وأنات الثكالى والأيتام الذين ينتظرون عدالة الأرض والسماء لإنصافهم من هذا الظلم التاريخي الفادح.
​▪غابت تماماً المبادرات العاقلة والشجاعة من أهل الفكر والسياسة والدين لرتق السلم المجتمعي ووقف نزيف الدماء، ليترك الشعب وحده يواجه مصيره البائس بلا معين روحي أو فكري يعينه على احتمال قسوة النزوح وفقدان مقومات العيش الأساسية في أتون حرب فرضت عليه ظلماً وعمداً، مما عمق الشعور بالغربة والخذلان وجعل المواطن يتساءل بمرارة عن جدوى وجود هذه المؤسسات النخبوية والقيادية إذا لم تتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ساعات الخطر الداهم.
​▪ترك هذا التخاذل النخبوي أثراً مدمراً في وعي العامة وكرس حالة التشتت والضياع، فأنّى يُرجى النجاة لقطيع يقوده مثقفون وسياسيون متخاذلون يباركون بطش العدو الغاشم الذي يعيث فساداً وتخريباً في مقدرات الوطن دون أن تجد صرخات المستغيثين صوتاً يدافع عنها أو ينقل معاناتهم بصدق وأمانة، الأمر الذي ضاعف من حجم التحديات المجتمعية وأطاح بالقيم العليا التي كانت تشكل صمام الأمان والتماسك التاريخي لهذا الشعب العظيم في مواجهة الأزمات.
​▪تحتم اللحظة الراهنة بإلحاح شديد استعادة الدور الأخلاقي للمثقف والسياسي الصادق الذي ينحاز بلا تردد لمظالم شعبه ويدين بلسان فصيح جرائم التمرد دون حسابات ضيقة، فإما أن يقف المثقف في خندق وطنه أو يسقط في درك الخيانة الكبرى التي لا تغفرها ذاكرة التاريخ والأجيال القادمة التي ستكتب أسماء الخونة والمرجفين بمداد من العار والخذلان الدائم، مؤكدين أن التاريخ لا يرحم من تخلف عن نصرة قضايا أمته في ساعات العسرة الكبرى.
​▪ويبقى السؤال الجوهري ملحاً عن قيمة الثقافة والعلوم والعمل السياسي إن لم تنتصر لحرية الإنسان وصون كرامته وعرضه ساعة الخطر الداهم الذي يعصف بكيان الوطن وهويته ويهدد وجوده التاريخي بالزوال الكامل لصالح قوى الشر والعدوان التي تستهدف اقتلاع هذا الشعب العظيم من جذوره، فالمعرفة والسياسة التي لا تحمي صاحبها من الاستعباد ولا تدافع عن حق الوطن في البقاء هي أدوات عقيمة لا قيمة لها في ميزان القيم الإنسانية والوطنية الخالدة.
​▪وتتوجب محاسبة الذاكرة الوطنية لكل الأصوات التي خذلت أهلها واختارت طريق الصمت الجبان والتبرير الفاجر بينما كانت دماء الأبرياء تروي تراب الوطن دفاعاً عن العرض والكرامة، لتظل تلك الأسماء مسجلة في سجل الخيانة والارتزاق الذي باع المبادئ في سوق المساومات الرخيصة، ولتكون عبرة لكل من تسول له نفسه المتاجرة بآلام الشعب ومعاناته من أجل تحقيق مكاسب فئوية دنيئة على حساب دماء الأبرياء وخراب الديار.
​▪في المقابل، تسطعمن ركام المأساة نماذج ميدانية مضيئة لنخب حقيقية من الفنانين والصحفيين والسياسيين والشعراء الذين رفضوا الهروب واختاروا البقاء وسط لعلعة الرصاص وأزيز الطيران الحربي، ليتصدروا المشهد الإنساني بفتح التكايا والمخيمات الشعبية والإسهام في استمراريتها لإطعام المواطن من جوع، جاعلين من أقلامهم وأشعارهم ومواقفهم اليومية دروعاً بشرية تحمي تماسك المجتمع وتخفف وقع الجراح النازفة بصدق وطني عالي الوضاءة.
​▪ شواهد الواقع تؤكد أن نيران الحرب لن تخمد طالما ظلت القيادات السياسية والفكرية تقدم مصالحها الحزبية الضيقة على مصلحة الشعب والوطن، غير عابئة بما يعانيه الملايين من كوارث ومآسي، مما يؤكد أن الأزمة الكبرى تكمن فيمن وثقنا بهم حراساً للوعي فصاروا معاول هدم للوطن ومشرعين للظلم، وهو ما يستدعي بالضرورة بناء وعي جديد وقيادات ناشئة تنبع من رحم المعاناة الحقيقية للشعب لتنقذ السفينة وتصل بها إلى بر الأمان.
​▪ عكوما يظل يقيننا الراسخ أن المثقف والسياسي والشاعر الحق هو من يختار وعياً طريق المقاومة والحق مهما تعاظم الثمن، ليبقى صوته وعمله الميداني بوصلة للأجيال القادمة في زمن التيه، مؤمنين بأن الشعوب الأصيلة قادرة وحدها على بناء وعيها بمعزل عن نخب مرجفة سقطت في امتحان الدم والوطنية الحقة، لتظل جذوة الأمل مشتعلة بفضل تضحيات الأحرار الصادقين الذين فتحوا ديارهم وسواعدهم لإطعام الجياع وحراسة كرامة الوطن حتى ينجلي غبار المعركة ويشرق فجر الخلاص والعدالة والسلام.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى