أسامة البليل عمر يكتب.. لم يكن يبني مبنى.. كان يبني انتماءً

هناك رجال يمرون على المناصب، وهناك رجال يتركون أثرًا يبقى بعد أن يغادروا.
والقنصل العام لجمهورية السودان بجدة، السفير الدكتور كمال علي عثمان، في حدود ما عشته وتعاملت معه، كان واحدًا من هؤلاء.
أنا لا أكتب اليوم بصفتي صحفيًا ينقل خبرًا، ولا كاتبًا يوثق سيرة مسؤول، وإنما أكتب شهادة رجل أتيحت له فرصة العمل معه عن قرب، ورأى بنفسه طريقته في التعامل مع الناس، وحرصه على أن تتحول الأفكار من مجرد حديث إلى عمل يلمسه المواطن.
أنا حديث العهد بجدة، وفترة معرفتي بالقنصل العام لم تكن طويلة، لكن العمل المباشر مع الرجال يكشف أحيانًا في وقت قصير ما لا تكشفه سنوات المعرفة البعيدة.
ومنذ حضوري إلى جدة، أتيحت لي فرصة العمل معه في عدد من الملفات والمبادرات التي مست حياة المواطن السوداني بصورة مباشرة.
وكان في مقدمة تلك الملفات العودة الطوعية، ذلك العمل الإنساني الكبير الذي احتاج إلى تنسيق متواصل بين القنصلية والجهات الرسمية والقطاع الخاص والجهد الشعبي، حتى عاد مئات السودانيين إلى وطنهم في ظروف تحفظ لهم كرامتهم.
ثم جاءت مبادرة السفر بكرامة، وبعدها مبادرة دعم المسافر السوداني، إلى جانب مبادرات إنسانية ومجتمعية أخرى أطلقناها برعايته وبتنسيق كامل مع القنصلية العامة لجمهورية السودان بجدة.
وفي كل تلك الملفات لم يكن القنصل العام مجرد راعٍ يُكتب اسمه على المبادرة، أو مسؤول يمنح الموافقة ثم يبتعد. كان حاضرًا في التنسيق، قريبًا من التفاصيل، يفتح الأبواب، ويذلل العقبات، ويجمع الجهات المختلفة حول هدف واحد: أن تصل الخدمة إلى المواطن السوداني وتحفظ له كرامته.
وخلال هذا العمل لم أعرف السفير كمال من خلف مكتبه فقط، وإنما عرفته في الاجتماعات، والاتصالات، ومتابعة التفاصيل، والبحث عن الحلول. كان يهمه أن تصل المبادرة إلى الناس قبل أن يُكتب عنها، وأن ينجح العمل قبل أن يُنسب النجاح إلى أي شخص.
هذا ما رأيته بنفسي، ولذلك أكتبه اليوم.
ولم يكن حضور القنصل العام مقصورًا على مكتبه داخل القنصلية.
كان يستقبل الناس في مكتبه، ويفتح لهم بيته، ويذهب إليهم في أماكنهم. يزور المرضى، ويتفقد أصحاب المبادرات، ويحضر في مواقع العمل، ويشارك السودانيين مناسباتهم، ويحرص على أن يكون بينهم لا بعيدًا عنهم.
وحتى بيته لم يكن بيتًا خاصًا بأسرته فقط، بل كان بيتًا مفتوحًا لضيوف السودان، وللقادمين من الوطن، ولكل من احتاج إلى استقبال أو سند أو كلمة طيبة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يصبح بيته عند كثيرين واحدًا من بيوت السودان في جدة.
وكان واضحًا أن الرجل لا ينظر إلى القنصلية باعتبارها مكانًا لاستخراج الجوازات وإنجاز المعاملات فقط، بل كان يريدها بيتًا للسودانيين، يشعر فيه المواطن بأن له مكانًا، وأن صوته مسموع، وأن بإمكانه أن يكون شريكًا في أي عمل يخدم وطنه.
ولذلك فتح الأبواب أمام الإعلاميين، ورجال الأعمال، والمهندسين، والأطباء، وأصحاب المبادرات، وكل صاحب خبرة يستطيع أن يقدم شيئًا.
كان يؤمن بأن العمل العام لا ينجح بفرد، وأن الوطن أكبر من أن تحمله جهة واحدة، وأن نجاح أي مشروع يبدأ عندما يشعر الناس بأنهم جزء منه، لا مجرد متفرجين عليه.
ومن هنا جاءت فكرة اللجنة القومية لتدشين مقر القنصلية الجديد.
في تقديري، لم تكن اللجنة مجرد لجنة لتنظيم احتفال أو افتتاح مبنى، بل كانت امتدادًا لفكرة ظل القنصل العام يعمل من أجلها: أن يكون أبناء الجالية شركاء في بيت السودان، بالرأي، والخبرة، والمبادرة، والعمل.
كان يريد للمواطن أن ينتمي إلى القنصلية، لا أن يذهب إليها مضطرًا لإنجاز معاملة ثم يغادر. وكان يريد للقنصلية أن تنتمي إلى الناس أيضًا، وأن تخرج إليهم، وتسمعهم، وتشاركهم همومهم وأفراحهم.
ولهذا أقول إن السفير كمال لم يكن يبني مبنى فقط… كان يبني انتماءً.
ثم جاءت اللحظة التي لم يكن يتوقعها كثيرون.
في الوقت الذي كانت فيه اللجنة تستعد لتدشين هذا الصرح، وفي مناسبة كان الجميع يظن أنها ستكون فرحًا خالصًا، أعلن القنصل العام أنه سيغادر هذه المحطة بسبب ظروفه الصحية.
كان الخبر ثقيلًا على الحاضرين، ونزل على الناس في لحظة اختلط فيها الفرح بالحزن.
فرحٌ لأن حلم امتلاك مقر يليق باسم السودان أصبح حقيقة، وحزنٌ لأن الرجل الذي عاش تفاصيل هذا الحلم، وسعى إليه، وجمع الناس حوله، قد لا يكون حاضرًا في موقعه يوم اكتمال المشهد.
لكنها إرادة الله، والصحة حق، والإنسان مهما بلغت قوته يحتاج إلى أن يمنح جسده حقه.
وقد يختلف الناس في تقييم أي مسؤول، وهذا أمر طبيعي، لكن قليلين هم الذين يختلف الناس على محبتهم.
وفي تقديري، هذه من أصعب وأصدق الشهادات التي يمكن أن ينالها أي مسؤول عندما يغادر موقعه.
فالمنصب يمكن أن يمنح الإنسان احترامًا مؤقتًا، لكن المحبة لا يمنحها منصب، ولا يصنعها بروتوكول. المحبة يصنعها القرب من الناس، والوقوف معهم، وحضور تفاصيلهم، وصدق التعامل معهم.
أسأل الله أن يمنّ على القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، السفير الدكتور كمال علي عثمان، بتمام الصحة والعافية، وأن يجزيه خيرًا على ما قدم، وأن يوفقه في محطته القادمة.
أما بيت السودان الذي حلم به وسعى إليه، فسيبقى بإذن الله شاهدًا على مرحلة اجتمع فيها السودانيون على المحبة والعمل، وشعروا فيها بأن القنصلية ليست مبنى حكوميًا فقط، وإنما بيت يخصهم جميعًا.
شكرًا سعادة القنصل العام…
ولأنني عملت معك عن قرب، سأظل أقول إن كثيرًا مما أنجزته لم تكن تبحث فيه عن ظهور أو تصفيق، وإنما كنت تريد أن يصل الخير إلى الناس.
وذلك، في تقديري، أجمل ما يمكن أن يبقى في سيرة أي إنسان.