أخبار عاجلةمقالات

هل تعود الخبرة لمجلس الحج؟

 

*منذ اليوم الأول لتكليف بشير هارون وزيرا للشؤون الدينية والأوقاف، قلناها بوضوح ومن دون مواربة..هذه الوزارة ليست مكانا للتجريب، وملف الحج تحديدا لا يحتمل وزيرا يتعلم على حساب الحجاج.
*لم يكن ذلك موقفا شخصيا من الرجل، وإنما قراءة مبكرة لطبيعة وزارة شديدة التعقيد، تتداخل فيها ملفات الحج والعمرة والأوقاف والشؤون الدينية، وتحتاج قبل كل شيء إلى خبرة إدارية، ودراية بالمؤسسات، وقدرة على إدارة الاختلاف لا تفجير الصراعات.
لكن الأيام لم تحتج إلى كثير من الوقت حتى تؤكد أن مخاوفنا لم تكن في غير محلها.
*بدأت القرارات تتوالى تحت لافتة الإصلاح، غير أن الطريقة التي أُديرت بها بعض الملفات كشفت عن مشكلة أكبر، غياب الرؤية المؤسسية، وتداخل الاختصاصات، والتعامل مع أصحاب الخبرة وكأنهم عبء ينبغي التخلص منه.
*ولعل أكثر القرارات التي أثارت الاستغراب كان التعامل مع سامي الرشيد، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للحج والعمرة، والحقيقة التي يجب أن تقال هنا، بعيدا عن المجاملات، أن سامي الرشيد ليس «موظف حج» يمكن استبداله كلما تغير الوزير.
*الرجل عاش تفاصيل هذا الملف، وعرف تعقيداته، وتعامل مع مؤسساته، وواجه أزماته، والأهم أنه أثبت قدرته على العمل في أصعب الظروف، يكفي أنه أدار واحدا من أصعب مواسم الحج التي مر بها السودان، في ظل تداعيات الحرب، واستطاع أن يتجاوز تحديات بالغة التعقيد، بل وحقق نتائج لافتة من بينها زيادة حصة السودان من الحجاج خلال الفترة التي تولى فيها قيادة المجلس.
*هذه أرقام وتجربة ووقائع ينبغي أن تخضع للتقييم المؤسسي، لا للأمزجة.
لكن بدلا من أن تستثمر الدولة هذه الخبرة، وجد الرشيد نفسه خارج المشهد بطريقة أثارت كثيرا من التساؤلات، خاصة أن إبعاده تم في ظروف لم تكن واضحة للرأي العام، ودون صدور قرار رسمي من مجلس الوزراء في ذلك الوقت بحسب ما كان معلنا.
*والأغرب أن المشكلة لم تنته بخروجه
جاء من بعده آخرون، ودخلوا في الإشكالات نفسها، وهنا ينبغي أن نتوقف.
إذا كان كل أمين عام يصل إلى المجلس يصطدم بالوزير، فربما المشكلة ليست في الأمناء!ربما المشكلة في طريقة إدارة العلاقة بين الوزارة والمجلس.وربما كان المطلوب إصلاح الهيكل والصلاحيات، بدلا من تغيير الرجال.
*لم تنتهي خلافات الوزير والمجلس لابعاد سامي فمع اقتراب موسم حج 1447هـ، تصاعد الخلاف بين الوزير بشير هارون، والأمين العام المكلف للمجلس الأعلى للحج والعمرة عمر مصطفى.
وبدلا من أن تتوحد الجهود استعدادا لموسم جديد، وجد العاملون أنفسهم أمام سيل من الخطابات والخطابات المضادة، وتداخل الصلاحيات، وتجاذب إداري لم يكن الحجاج طرفا فيه، لكنه كان الأكثر عرضة لدفع ثمنه.
*الحج ياسادة ليس ميدانا للصراع على النفوذ، وليس مقبولا أن تتحول مؤسسة مسؤولة عن خدمة ضيوف الرحمن إلى ساحة للتجاذبات، الحاج السوداني الذي ينتظر عاما كاملاً لأداء الفريضة لا يريد أن يعرف من انتصر على من داخل الوزارة.
يريد فقط أن يعرف هل حجته ستسير بصورة منظمة؟هل أمواله محفوظة؟هل إجراءات سفره وإقامته ونقله مضمونة؟هل سيجد مؤسسة تعرف ماذا تفعل؟
*عموما.. قرار رئيس الوزراء بإعفاء وزير الشؤون الدينية والأوقاف بشير هارون، والأمين العام المكلف للمجلس الأعلى للحج والعمرة عمر مصطفى، جاء ليضع نهاية لفصل طويل من الشد والجذب.
وقبل ذلك جاء القرار الخاص بإلحاق مجلس الحج والعمرة برئاسة مجلس الوزراء مباشرة، وقد يكون هذا القرار هو بداية الحل إذا أحسن رئيس الوزراء استثمار اللحظة.
*الملف أمامه الآن مفتوح على مصراعيه.
إما أن نعود إلى مربع التجريب.. أو نعود إلى مربع الخبرة، وكاتب هذه الزاوية يرى أن الخيار الثاني هو الأصح.
*حسنا.. هل تشهد هذه الصحوة المتاخرة من مجلس الوزراء عودة سامي الرشيد مرة أخرى خاصة وانه ليس اسما جديدا يحتاج إلى شهور حتى يفهم الملف،
فالرجل يعرف المجلس، ويعرف الحج، ويعرف المؤسسات ذات الصلة، ويعرف تفاصيل العمل، وسبق أن واجه الأزمات عندما كانت الظروف أكثر قسوة.
ثم إن الدولة في زمن الحرب ليست في حاجة إلى قيادات تحتاج إلى فترة تدريب طويلة.
هي تحتاج إلى شخص يستطيع أن يدخل مكتبه في اليوم الأول ويبدأ العمل،
وهذا بالضبط ما يملكه سامي الرشيد.
لذلك فإن إعادة تكليفه ليست «مجاملة» للرجل، ولا انتصارا له على خصومه، إنها ببساطة استثمار في الخبرة.
*وإذا كانت هناك معايير أخرى ترى الدولة أنها أفضل، فلتطرحها بشفافية، وليكن المعيار هو الكفاءة والنتائج.
أما أن نعيد تجربة الأسماء الجديدة، ثم ننتظر عاما آخر حتى تبدأ الصراعات، فذلك يعني أننا لم نتعلم شيئا.
*إن المشكلة ليست بشير هارون وحده،
ولاعمر مصطفى وحده،ولا حتى سامي الرشيد وحده المشكلة في منظومة تحتاج إلى إعادة ترتيب كاملة، نحتاج إلى هيكل واضح ونحتاج إلى صلاحيات محددة، وإلى فصل واضح بين الإشراف والتنفيذ، نحتاج إلى مؤسسات لا تتأثر بتغيير الوزراء، نحتاج إلى قيادات يتم اختيارها بالخبرة والكفاءة، لا بالولاء أو العلاقات، وقبل كل ذلك نحتاج إلى قاعدة بسيطة وهي ان الوزارة تشرف.. والمجلس يدير.. والجميع يعملون لخدمة الحاج.
*وأخيرا.. لا تعيدوا اختراع العجلة
قرار رئيس الوزراء أزال العقبة الأكبر،
والآن أمامه فرصة تاريخية لإعادة بناء هذا الملف، وفي تقديري، فإن سامي الرشيد هو الاسم الأكثر جاهزية والأوفر خبرة لقيادة المرحلة المقبلة، ليس لأنه بلا أخطاء، فالكمال ليس شرطا في العمل العام، وإنما لأنه دخل هذا الميدان وخرج منه بتجربة حقيقية ونتائج يمكن قياسها.
فإذا كانت الدولة تريد أن تبدأ من الصفر، فلتبدأ، أما إذا كانت تريد أن تبدأ من حيث انتهى النجاح، فهناك رجل يعرف الطريق هو سامي الرشيد.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى