أخبار عاجلةمقالات

الحرب وإفرازاتها.. هل يتحملها المواطن وحده؟

سؤال عاد يطرح نفسه بإلحاح عند كثير من السودانيين: هل كل إفرازات الحرب وأعبائها يجب أن يتحملها المواطن وحده؟
نؤمن إيماناً قاطعاً بأن الحرب المفروضة على الشعب السوداني لم تكن مع عصابة آل دقلو الاجرامية و حدها بل كانت من (شرذمة صعاليك ) وخونة من ابناء الشعب السوداني تساعدهم مجموعة من الدول و تقاطعت فيها مصالح قوى داخلية وخارجية واستُخدمت فيها أدوات وواجهات متعددة وكان هدفها في جوهره إضعاف الدولة السودانية والسيطرة على مقدراتها وثرواتها وموقعها الاستراتيجي
ولذلك لم تكن المعركة تستهدف الإنسان وحده وإنما استهدفت مقومات حياته لذلك كانت الحرب علي تدمير البني التحتية للدولة السودانية وأولها قطاع الكهرباء و الذي بدا التدمير فيه عندما قامت لجنة إزالة التمكين المشؤمة بفصل عدد كبير من الكوادر الشبابية بحجة انتمائهم للكيزان و ايضا امتدت اثار التدمير قطاعات المياه والصناعة والزراعة وإلى المؤسسات والمنازل والممتلكات فضلاً عن عمليات القتل والنزوح والتشريد والانتهاكات التي دفع ثمنها المواطن السوداني
لقد تكالبت على هذا الشعب الطيب أزمات متلاحقة شعبٌ ظل عبر تاريخه يفتح أبوابه لكل من لجأ إليه ويقاسم الآخرين قوته ومأواه عندما تضرب الحروب بلادهم لكنه عندما وجد نفسه نازحاً ومهجراً لم يجد دائماً المعاملة التي كان يقدمها للآخرين ، ثم جاءت مرحلة أخرى بعد عودة المواطنين إلى المناطق التي تحررت ليجدوا أمامهم وجهاً جديداً من الحرب ، حرب الاقتصاد والمعيشة ، عاد المواطن ليبحث عن الكهرباء وعن المدرسة التي يعود إليها أبناؤه وعن المستشفى الذي يستطيع فيه علاج مرضاه وعن وسيلة مواصلات وعن رغيف خبز يستطيع شراءه دون أن يلتهم جزءاً كبيراً من دخله ، كل هذه المتطلبات اليومية تضاعفت فيها الاسعار بصورة جنونية .
وفي الوقت نفسه يواجه السودان تحديات تتعلق بالتهريب واستنزاف موارده من الذهب إلى المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية وغيرها من الموارد التي يفترض أن تكون رافعة للاقتصاد الوطني وتحسين حياة المواطن
وهنا يحق لنا أن نسأل بوضوح:
أين تذهب ثروات السودان؟
ومن المستفيد من استنزافها؟
ومن يساعد على تهريبها؟
ومن يدفع ثمن ذلك كله؟
إن المواطن السوداني اليوم يواجه حرباً لا تقل خطورة عن الحرب العسكرية إنها حرب على التعليم والعلاج والغذاء والمواصلات والخدمات الأساسية ، حيث أصبح تعليم الأبناء عبئاً ثقيلاً والعلاج حلماً صعب المنال والغذاء تحدياً يومياً بينما يمتلك السودان من الموارد ما يمكن أن يجعله بلداً منتجاً ومؤثراً في محيطه الإقليمي ، ايضا كانت الحرب الاقوي انتشار المخدرات بين صفوف الشباب وهذه تحتاج للضرب بيد من حديد لكل من سولت له نفسه بنشر هذه السموم حتي ولو كانت حبة صغيرة .
نحن ندرك أن الحرب مكلفة و أن السلاح يستنزف جل موارد البلاد وأن إعادة بناء ما دمرته الحرب تحتاج إلى أموال ضخمة وأن الدولة تواجه ظروفاً استثنائية، لكن ذلك لا يعني أن يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن كل شيء .
لقد قدمت القوات المسلحة والقوات المساندة والمستنفرون تضحيات جسيمة وبذلوا الأرواح والمهج من أجل بقاء الدولة وحفظ كرامة الشعب السوداني ومن حق هذا الشعب بعد كل تلك التضحيات أن يجد دولة تعمل على حمايته من الاستنزاف الاقتصادي كما تحميه من الخطر العسكري ، المطلوب اليوم الانتصار في معركة بناء الدولة وهذا يتطلب قبضة قوية على موارد الدولة ومواجهة حقيقية للتهريب والفساد والتلاعب بالأسواق وإعادة تشغيل المصانع ودعم الزراعة والإنتاج وضبط حركة السلع وحماية العملة الوطنية وتوجيه موارد البلاد إلى الخدمات الأساسية .
لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يدفع ثمن إعادة بناء الكهرباء ثم يدفع مرة أخرى ثمن ارتفاع أسعار السلع ثم يدفع ثمن العلاج والتعليم والمواصلات بينما تتسرب موارد البلاد بعيداً عن خزينة الدولة .
السؤال ليس فقط: كم كلفت الحرب؟
بل السؤال الأهم: من يدفع فاتورة الحرب؟ ومن يستفيد من استمرار آثارها؟
إذا كان المواطن قد دفع من دمه وأمنه وبيته ونزوحه ومدخراته فمن حقه أن يعرف إلى أين تذهب موارد بلاده ومن حقه أن يرى أثر ثروات السودان في حياته اليومية ، إن السودان لا تنقصه الموارد وإنما يحتاج إلى إدارة رشيدة لهذه الموارد وإلى دولة قوية تضع مصلحة المواطن فوق كل المصالح وتغلق أبواب الاستنزاف والتهريب وتعيد توجيه ثروات البلاد نحو الإنتاج والخدمات والتنمية
فالشعب السوداني الذي تحمل الحرب وصبر على النزوح و فقد الأحبة والممتلكات لا ينبغي أن يُترك وحيداً في مواجهة تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية، لقد آن الأوان أن تتوقف الحرب على المواطن ، آن الأوان لأن تتحول موارد السودان من مصدر للنهب والاستنزاف إلى مصدر للكرامة والاستقرار .
أن المعركة ستنتهي عندما يتم القضاء علي آخر ( جنجويدي ) و أي خائن و عميل .
و تنتهي المعركة عندما يجد المواطن الكهرباء والتعليم والعلاج والغذاء والأمن والعمل ويشعر أن ثروات بلاده تعود إليه ، وهنا فقط يمكن أن نقول إن السودان لم ينتصر في الحرب فحسب بل بدأ ينتصر في معركة بناء وطنه.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى