أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. نعيش من أجل المحتوى..كيف صنعت وسائل التواصل حياة لا نعيشها

 

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ نطل منها على العالم، لقد تحولت إلى مصانع كبيرة تنتج واقعاً موازياً نعيش داخله ونصدقه مع مرور الأيام، في هذا الواقع الجديد لم تعد قيمة التجربة تقاس بما نعيشه، بل بما يمكن توثيقه وعرضه، لم يعد المهم أن تستمتع بالرحلة، بل أن تختار الزاوية المناسبة لتصويرها ولم يعد المهم أن تنجح، بل أن تكتب عن نجاحك بالطريقة التي تجذب الانتباه وهكذا انتقلنا من عيش الحياة إلى إنتاج الحياة.

نحن لا ننشر حياتنا كما هي، نحن ننتقي منها بعناية شديدة، نختار اللحظة الأجمل من اليوم والصورة الأنظف من البيت والجملة الأذكى من النقاش،نحذف التعب والملل والخلاف والفشل ونترك الابتسامة والإنجاز والاحتفال، هذا الحذف لا يحدث بوعي، بل يحدث تلقائياً لأننا نعرف أن ما لا يليق بالصورة لن يحصل على تفاعل ومع الوقت تتحول سيرتنا إلى قصة ناقصة تبدو كاملة،نعرض جزءاً صغيراً جداً ونترك الباقي في الظل، ثم نندهش حين يظن الناس أن حياتنا كلها ضوء.

وتزيد التعقيدات حين تبدأ الخوارزمية في مكافأتنا،المنصة لا تكافئ الصدق، بل تكافئ التفاعل، فإذا نجحت صورة من السفر، سنسافر أكثر وإذا نجح منشور عن الإنتاجية، سنصبح أكثر إنتاجية في منشوراتنا وإذا نجحت الأم المثالية، ستظل تقدم وصفات وألعاباً ونصائح حتى في الأيام التي لا تملك فيها طاقة لذلك ..وهكذا نعلق داخل الشخصية التي نجحت،نكررها لأنها تجلب لنا التقدير ومع التكرار تتحول إلى قناع يلتصق بالوجه ويصعب خلعه.

ثم يأتي دور المقارنة،فالشاشة لا تعرض لك حياة واحدة، بل تعرض مئات الحيوات في الدقيقة،بيوت مرتبة دائماً وأجسام رياضية وأطفال هادئون وأزواج متفاهمون وسفر لا ينتهي، عقلك يقارن لا إرادياً،يقارن كواليسك الخام مع العرض النهائي للآخرين، يقارن يومك العادي بيومهم الاستثنائي ومن هنا يبدأ الشعور بالنقص،تشعر أنك الوحيد الذي يعيش حياة عادية وأن الجميع من حولك يعيشون حياة مثالية والحقيقة أن الجميع يخفي الجزء العادي نفسه.

يمكن أن نرى هذا الواقع المصنوع في عدة صور تكررت حتى صارت معتادة،هناك صورة الحياة المثالية التي تقدمها منصات الصور،فيها كل شيء جميل ومرتب ومضاء جيداً، لا أحد يكذب بشكل صريح، لكن الجميع يصمت عن الفوضى وهناك صورة الخبير الدائم التي تقدمها المنصات المهنية،شخص يعلن عن إنجاز كل أسبوع وعن كتاب كل شهر وعن ترقية كل فترة، الفشل والرفض والانتظار محذوفون تماماً،فيبدو النجاح سهلاً وسريعاً، فيصاب من يتابع بالإحباط لأنه لا يرى إلا القمة ويغيب عنه التسلق.

وهناك صورة الناشط الأخلاقي،شخص هويته كلها مواقف، يعلق على كل حدث ويكتب عن كل قضية ومع الوقت يصبح الموقف هو الغاية، يتحول العمل الأخلاقي من فعل في الشارع إلى أداء على الشاشة،يكفي أن تكتب أنك متضامن لتشعر أنك أنجزت.

وهناك أيضاً صورة الحياة العائلية المفتوحة،تفاصيل البيت والأطفال والزوج والوجبات والدراسة كلها تصبح محتوى، في البداية يكون الدافع هو المشاركة، لكن النتيجة أن خصوصية الأسرة تذوب،يكبر الأطفال وهم يجدون أن تاريخهم كله موثق على الإنترنت دون أن يختاروا ذلك.

كل هذا يترك أثراً على الفرد وعلى المجتمع،على مستوى الفرد يخلق ازدواجاً مؤلماً، هناك أنا الذي أعيش، وهناك أنا الذي أعرضه والمسافة بينهما تكبر مع الوقت،نصبح مرهقين من التمثيل وخائفين من أن نكشف أننا لسنا بهذا اللمعان، كما يتشوه مقياس السعادة، لم نعد نقيس جودة يومنا بمقدار الرضا، بل بعدد الإعجابات والتعليقات ووصلنا إلى مرحلة غريبة لا نستطيع فيها الاستمتاع بلحظة إلا إذا صورناها أولاً، الأكل يجب أن يصور والبحر يجب أن يصور وحتى الحزن يجب أن يكتب عنه.

وعلى مستوى المجتمع تتوحد الأذواق،الخوارزمية تدفعنا جميعاً إلى نفس شكل الديكور، ونفس طريقة الكلام، ونفس الأماكن للتصوير وتتآكل فكرة الخصوصية،الأشياء التي كانت مقدسة ومحمية صارت مادة عامة،الحزن صار منشوراً، والمرض صار تحديث حالة، والخلاف الزوجي صار قصة، وفي المقابل تتشكل سلطة جديدة لم تعد السلطة بالضرورة للعالم أو للمفكر أو للمعلم، بل لمن يملك أكبر عدد من المتابعين،صار التأثير سلعة، والرأي يوزن بعدد المشاهدات لا بعمق الفكرة.

في ظل هذا كله يبقى السؤال الأهم: من الذي يكتب السيناريو؟ هل نحن ننشر لأننا نعيش، أم أننا نعيش من أجل أن ننشر؟ الحل ليس في قطع الإنترنت والانسحاب،فهذا مستحيل وغير عملي، الحل في وعي بسيط لكنه عميق،أن نتذكر دائماً أن ما نراه هو منتج نهائي،خضع للاختيار والحذف والمونتاج والإضاءة..أن نحتفظ بمساحة خاصة لا تدخلها الكاميرا ولا يدخلها الجمهور، مساحة نعيش فيها بلا توثيق وأن نكسر القاعدة من وقت لآخر فننشر الصورة غير المكتملة واليوم العادي والفشل، ليس جلداً للذات، بل تذكيراً لنا وللآخرين بأن الحياة أوسع من الشاشة.

الحياة الافتراضية ليست كذبة كاملة، لكنها نصف حقيقة تم تضخيمها وإن تركناها تقودنا سنصل إلى يوم نعيش فيه من أجل المحتوى، بدلاً من أن نصنع المحتوى من أجل الحياة والفرق بين الحالتين هو الفرق بين أن تكون إنساناً حراً، وبين أن تكون منتجاً ينتج نفسه كل يوم.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى