أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. خزائن مفتوحة وشعب فقير.. قصة السودان الذي يمول العالم

 

بلد يملك 200 مليون فدان زراعية، ونهر النيل، وثروة حيوانية تتجاوز 115.6 مليون رأس وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة Food and Agriculture Organization – FAO 2023 ووزارة الثروة الحيوانية 2022.
ومع ذلك 52.3% من السكان تحت خط الفقر متعدد الأبعاد بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي United Nations Development Programme – UNDP 2022، ونصيب الفرد لا يتجاوز 624 دولاراً كما يقول البنك الدولي World Bank 2023، والتضخم 56.39% وفق صندوق النقد الدولي International Monetary Fund – IMF 2024، والبطالة 25% بتقديرات منظمة العمل الدولية International Labour Organization – ILO.

فكيف يتحول الغنى إلى نقمة؟ الإجابة ليست في فقر الموارد، بل في فشل الدولة عن حمايتها.

بدأ الخلل الإقتصادي عندما صدر المحتل الأجنبي الخام واستورد المصنّع وبعد الاستقلال ابتلعت الحروب ميزانية الدولة فتحولت من الإنتاج إلى الأمن ومع النفط والذهب تضاعفت الأطماع: قفزت مساهمة الذهب من 4% عام 2012 إلى 8.6% عام 2023، وبلغت صادراته 1.03 مليار دولار والنفط 1.13 مليار دولار خلال 2023 وفق تصريحات بنك السودان المركزي،لكن العائدات لم تتحول لمصانع، بل ذهبت لشبكات إقليمية وجضضدت في ضعف الدولة سوقاً للفوضى.

وكان للحدود المفتوحة التي تتجاوز 6000 كيلومتر دور هادم ومدمر،إذ تحولت إلى شرايين لتهريب الذهب والصمغ والماشية والوقود والعملة عبر دول الجوار المحيطة بالسودان لتباع بعلامة غير سودانية والأخطر من ذلك تدفق السلاح منها إلى دارفور الاقليم الملتهب،وثق ذلك تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن S/2024/65، يناير 2024م.

وهنا المفارقة الأخطر،هذه الثروات المهربة صارت داعما لاقتصادات دول الجوار،فالذهب السوداني الذي يهرب 80% من إنتاجه يعزز احتياطيات بنوك مركزية والماشية والصمغ والسمسم تدخل مصانع غير سودانية وتُصدر بأرباح مضاعفة والوقود المدعوم يباع في أسواق موازية،السودان يصدر الخام بأبخس الأثمان وغيره يجني القيمة المضافة والوظائف والضرائب.

لم تكن الحدود بوابة اقتصاد فقط بل بوابة حرب،دخل منها السلاح الذي أشعل دارفور وكردفان ثم حرب أبريل 2023م،حيث تقدر خسائر الناتج بـ 42% بنهاية 2025 وفق البنك الدولي وانهار القطاع الصناعي بنسبة 53% والزراعة بنسبة 36% كما جاء في تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة Food and Agriculture Organization – FAO لسنة 2024م.

اليوم الفاتورة يدفعها المواطن،فإن 28.9 مليون شخص في حالة انعدام أمن غذائي حاد وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي Integrated Food Security Phase Classification – IPC يونيو 2024م، و9.5 مليون نازح وفق المنظمة الدولية للهجرة International Organization for Migration – IOM والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين United Nations High Commissioner for Refugees – UNHCR، و19 مليون طفل خارج المدارس كما ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة United Nations International Children’s Emergency Fund – UNICEF، و75% من المراكز الصحية في مناطق النزاع مغلقة وفق منظمة الصحة العالمية World Health Organization – WHO.

داخلياً يفاقم الأزمة غياب الرؤية وتعدد الجيوش والفساد وهجرة الشباب من الحقول إلى التعدين الأهلي وإلى الإغتراب في دول الخليج وأوروبا وأمريكا وكندا.

إن الفقر هنا ما هو إلا حصيلة إدارة غائبة وسيادة منقوصة، والخروج يبدأ بضبط الحدود وتجريم التهريب بأقصى العقوبات وحصر الثروات في بنك بيانات قومي، ووقف تصدير الخام والتوجه للتصنيع وتوحيد الجيش الوطني، وبناء دبلوماسية اقتصادية تقوم على الاستثمار، وإقامة حكم راشد.

السودان لا يحتاج معجزة، يحتاج فقط أن يحمي ما يملك، المعركة الآن ليست على الموارد، بل على الدولة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى