د. محمد بشير عبادي يكتب.. نزيف الجنيه السوداني

شهد الجنيه السوداني منذ منتصف ثمانينيات القرن المنصرم تدهورًا تراكميًا حادًا في قيمته مقابل العملات الأجنبية،فتحول من مجرد اختلال نقدي إلى أزمة هيكلية مزمنة انعكست في ارتفاع معدلات التضخم وانهيار القوة الشرائية للمواطن.
بدأت بوادر الاختلال في أواخر عهد نظام مايو مع تفاقم عجز الميزان التجاري وتراكم الدين الخارجي، إذ كان سعر الدولار يساوي 1.23 جنيها رسميًا ونحو 2.5 جنيه في السوق الموازي سنة (1983م)، تخطى حاجز الخمسة جنيهات في سنة (1985م) وكانت قاصمة الظهر لنظام النميري وتعمقت الأزمة خلال فترة الديمقراطية الثالثة عقب (انتفاضة رجب /أبريل 1985م) بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي وتراجع الصادرات، ليقفز السعر في السوق الموازي إلى 12 جنيهًا بحلول 1989م.
ومع تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي في (1992م) وتغيير العملة بحذف صفرين، ارتفع السعر الرسمي إلى 12 جنيهًا جديدًا مقابل 50 جنيهًا في السوق الموازي واستمر تمويل عجز الموازنة بالتوسع النقدي حتى بلغ سعر الدولار 250 جنيهًا جديدًا في سنة (2000م) وقد وفر اكتشاف النفط بعد عام (2000م) فترة استقرار نسبي مؤقت، فانخفض السعر إلى 2.15 جنيهًا في (2006م) وإلى 2.00 جنيه في (2008م)، إلا أنه ظل مرتبطًا بسلعة أولية واحدة دون إحداث تنويع حقيقي في هيكل الاقتصاد.
وشكل انفصال جنوب السودان في (يوليو 2011م) صدمة عرض كبرى تمثلت في فقدان نحو 75% من إيرادات النقد الأجنبي، فارتفع سعر الدولار من 2.70 جنيهًا مطلع (2011م) إلى 4.50 جنيهًا بنهاية السنة ذاتها، ثم واصل مساره التنازلي ليصل إلى 180 جنيها في (2016م) وإلى 600 جنيها في (2018م) وحتى بعد محاولة توحيد سعر الصرف عند 375 جنيهًا في فبراير (2021م) ظل السوق الموازي عند 700 جنيه بفعل شح الموارد واستمرار عجز الموازنة.
وتفاقم الوضع بصورة حادة عقب اندلاع حرب أبريل (2023م) التي أدت إلى انهيار الإنتاج والجهاز المصرفي وتراجع الصادرات، فقفز السعر الموازي من 600 جنيه قبل الحرب إلى 1500 جنيه نهاية (2023م)، ثم تجاوز حاجز 2000 جنيه خلال سنتي (2024 و2025م)، ليتخطى في أغسطس 2026م حاجز 6000 جنيها، مقابل سعر رسمي أدنى بفارق كبير عزز من المضاربة وعمليات “الدولرة”.
وفي تطور لافت، ألغى بنك السودان المركزي عددًا من القرارات السابقة بمنشور جديد أصدره يوم أمس الاثنين 24 أغسطس 2026م، مانحًا المصارف مرونة أوسع في تعديل أسعار الصرف المعلنة وشراء حصائل الصادر وفقًا لآليات العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي ويمثل هذا التوجه خطوة جديدة نحو تحرير سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.
وتكمن جذور التدهور في ضيق القاعدة الإنتاجية والاعتماد على صادرات أولية متقلبة وعجز مزمن في ميزان المدفوعات،كما أسهم الاعتماد المتكرر على تمويل العجز الحكومي عبر البنك المركزي في توسع الكتلة النقدية وتسارع معدلات التضخم،إلى جانب ذلك، أدى تعدد أسعار الصرف وتتابع الصدمات الخارجية المتمثلة في العقوبات والحرب إلى تآكل الاحتياطيات الأجنبية وفقدان الثقة في العملة الوطنية.
وعليه، فإن المعالجات العاجلة تقتضي وقف التمويل بالعجز وتوحيد سعر الصرف عبر نافذة رسمية تستوعب حصائل الصادرات وتحويلات المغتربين، إلى جانب ترشيد الطلب على النقد الأجنبي للسلع الاستراتيجية. أما على المدى البعيد، فلا يمكن تحقيق تعافٍ مستدام دون إحداث تحول هيكلي يرفع الإنتاجية ويزيد الصادرات ذات القيمة المضافة، ويعيد تأهيل القطاع المصرفي ويضمن استقلالية السياسة النقدية وذلك في ظل بيئة استقرار سياسي وأمني توفر شبكات حماية اجتماعية تستوعب آثار الإصلاح.