أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. راحة الروح

 

إن القلب هو ملك الجوارح وصلاحه صلاح للبدن كله وفساده فساد له ومن أعظم ما يحتاجه القلب في مسيرة الحياة أن ينزل عليه برد الطمأنينة وسكينة الإيمان، فيسكن بعد اضطراب ويهدأ بعد قلق ويرضى بعد جزع وقد دلنا الله عز وجل على موضع الدواء وموطن الشفاء فقال في محكم التنزيل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] فجعل سبحانه الطمأنينة ثمرة للإيمان وربط سكون القلب بذكره وحده إعلامًا بأن القلوب مفطورة على التعلق به وأنها لا تجد راحتها إلا في ظل قربه.

وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر وجدناه قد امتلأ بأسباب القلق التي لم يعرفها الناس من قبل،لقد أصبح الإنسان يعيش في سباق محموم مع الزمن، يطارده الخوف على الرزق والمستقبل، ويشغل باله تقلب الأحوال وغلاء المعيشة، فينسى أن الرزق مكتوب وأن السماء لا تخلو من عطاء الله، وقد قال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] كما أن كثرة الأخبار المتداولة عبر وسائل التواصل وما تحمله من صور الحروب والمآسي والكوارث، قد أثقلت كاهل النفوس وأورثتها همًّا متجددًا وأضف إلى ذلك داء المقارنة الذي استشرى بين الناس، فصار كل واحد ينظر إلى ما في يد غيره ويحتقر ما آتاه الله، حتى غابت القناعة التي هي كنز لا يفنى وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الداء بقوله: “انْظُرُوا إلى مَن هو أسفَلَ مِنكُمْ، ولا تَنْظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكُمْ، فَهو أجْدَرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ” [رواه مسلم] وفوق كل ذلك فإن البعد عن الله وضعف الصلة به وكثرة الذنوب التي تتراكم على القلب ظلمة بعد ظلمة، تجعل الإنسان يعيش في ضيق لا يعرف له سببًا، وقد صدق الله إذ يقول: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}[طه: 124].

ولما كان الداء معلومًا، فإن الدواء في الإسلام بين واضح، وأعظمه الرجوع إلى الله وتسليم الأمر إليه مع الأخذ بالأسباب. فأول العلاج أن يستقر في القلب معنى الإيمان بالقضاء والقدر، فيعلم المؤمن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيرضى ويسلم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ له خَيْرٌ” [رواه مسلم]، فالمؤمن لا يخسر أبدًا لأنه بين الشكر عند النعمة والصبر عند البلاء.

ثم تأتي العبادة في مقدمتها الصلاة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إليها، لأنها صلة بالله ومناجاة له، وفيها تفريغ لهموم القلب ويعقبها ذكر الله تعالى الذي هو حياة القلوب وجلاء للهموم وقد جعل الله الذكر عبادة سهلة ميسورة في كل حال وجعل له أثرًا عظيمًا في إنزال السكينة، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41-42] وشتان بين قلب يلهج بذكر الله وقلب غافل لاهٍ، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: “مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ” [رواه البخاري]. فبالتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار والحوقلة يجد العبد برد اليقين في قلبه وبقول: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل” [رواه البخاري] يطرح حمله على الله.

وأعظم ما يجمع الذكر كله ويجدد الإيمان في القلب هو كتاب الله عز وجل،فالقرآن الكريم هو كلام الله الذي أنزله شفاء ورحمة، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]. وليس المقصود مجرد التلاوة العابرة، بل المداومة على ختمة القرآن الكريم وتدبره، ففي الختمة بركة عظيمة وسكينة تنزل على القلب وكان هدي السلف الصالح أن يجعلوا لأنفسهم ختمة يختمونها كل شهر ومن قوي على ذلك فعدة مرات في الشهر، فكلما زاد العبد من ورده زاد نوره وطمأنينته وكم من مهموم ضاقت به الدنيا فلما ختم القرآن شعر بانشراح عجيب، لأن الملائكة تتنزل عند تلاوته، والرحمة تغشى أهله وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ” [رواه مسلم] فمن جعل له وردًا يوميًا يختم به القرآن الكريم كل شهر، أو ختمه عدة مرات إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، وجد أن همومه تهون، وأن قلبه يمتلئ نورًا وسكينة، خاصة إذا قرأ سورًا بعينها كسورة الشرح فينشرح صدره، وسورة يوسف فيتعلم الصبر، وسورة الضحى فيحس بعناية الله.

ويبقى الدعاء هو سلاح المؤمن الختامي، فهو اللجوء الصادق إلى من بيده مفاتيح الفرج، وقد وعد الله بالإجابة فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم} [غافر: 60].

إن السكينة لا توجد في كثرة المال ولا في تتبع الأخبار وإنما توجد في قلب عرف ربه فأحبه وذكره فأنس به وتوكل عليه فكفاه، وتلى كتابه فاهتدى به،فليحرص كل منا على أن يجعل له ختمة يختمها كل شهر، أو عدة ختمات إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، ويختم يومه بآية يتدبرها، وتسبيحة يرددها، وسجدة يشكو فيها إلى الله، وليردد دائمًا: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} [آل عمران: 8]، فوالله ما ضاقت على عبد إلا وفرجها الله وما استوحش قلب بذكر الله وتلاوة كتابه إلا آنسه.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى